درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۸۱: صیغه امر ۲۰

 

أوّل الأمر ، ولذا يمنعون جميعا من تركه ، ويسقط بفعل بعضهم لحصول الغرض منه (١).

٦. الموسّع والمضيّق

ينقسم الواجب باعتبار الوقت إلى قسمين : موقّت وغير موقّت.

ثمّ الموقّت إلى موسّع ومضيّق.

ثمّ غير الموقّت إلى فوريّ وغير فوريّ.

ولنبدأ بغير الموقّت مقدّمة ، فنقول :

غير الموقّت «ما لم يعتبر فيه شرعا وقت مخصوص» ، وإن كان كلّ فعل لا يخلو عقلا من زمن يكون ظرفا له ، كقضاء الفائتة ، وإزالة النجاسة عن المسجد ، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، ونحو ذلك.

وهو ـ كما قلنا ـ على قسمين : [١]. فوريّ وهو «ما لا يجوز تأخيره عن أوّل أزمنة إمكانه» ، كإزالة النجاسة عن المسجد ، وردّ السلام ، والأمر بالمعروف. [٢]. وغير فوريّ وهو «ما يجوز تأخيره عن أوّل أزمنة إمكانه» ، كالصلاة على الميّت ، وقضاء الصلاة الفائتة ، والزكاة ، والخمس.

والموقّت «ما اعتبر فيه شرعا وقت مخصوص» ، كالصلاة والحجّ والصوم ونحوها وهو لا يخلو عقلا من وجوه ثلاثة : إمّا أن يكون فعله زائدا على وقته المعيّن له ، أو مساويا له ، أو ناقصا عنه. والأوّل ممتنع ؛ لأنّه من التكليف بما لا يطاق. والثاني لا ينبغي الإشكال في إمكانه ووقوعه ، وهو المسمّى «المضيّق» ، كالصوم ؛ إذ فعله (٢) ينطبق على وقته بلا زيادة ولا نقصان من طلوع الفجر إلى الغروب. والثالث هو المسمّى «الموسّع» ؛ لأنّ فيه توسعة

__________________

(١) وهذا ما ذهب إليه كثير من الأصوليين ، ومنهم : العلاّمة وصاحب القوانين وصاحب الفصول. راجع مبادئ الوصول : ١٠٥ ؛ قوانين الأصول ١ : ١٢٠ ، الفصول الغرويّة : ١٠٧. وذهب إليه أيضا الأسنويّ ونسبه إلى الفخر الرازيّ وابن الحاجب ، واختاره الآمديّ ونسبه إلى جماعة من المعتزلة. راجع نهاية السئول ١ : ١٦٦ ، والإحكام «للآمديّ» ١ : ١٤٩.

(٢) وفي س : إذا فعله.

على المكلّف في أوّل الوقت وفي أثنائه وآخره ، كالصّلاة اليوميّة وصلاة الآيات ، فإنّه لا يجوز تركه في جميع الوقت ، ويكتفى بفعله مرّة واحدة في ضمن الوقت المحدّد له.

ولا إشكال عند العلماء في ورود ما ظاهره التوسعة في الشريعة ، وإنّما اختلفوا في جوازه عقلا على قولين : إمكانه ، وامتناعه. ومن قال بامتناعه (١) أوّل ما ورد على الوجه الذي يدفع الإشكال عنده على ما سيأتي.

والحقّ عندنا جواز الموسّع عقلا ووقوعه شرعا (٢).

ومنشأ الإشكال عند القائل بامتناع الموسّع أنّ حقيقة الوجوب متقوّمة بالمنع من الترك ـ كما تقدّم (٣) ـ فينافيه الحكم بجواز تركه في أوّل الوقت أو وسطه.

والجواب عنه واضح ؛ فإنّ الواجب الموسّع فعل واحد ، وهو طبيعة الفعل المقيّد بطبيعة الوقت المحدود بحدّين على ألاّ يخرج الفعل عن الوقت ، فتكون الطبيعة بملاحظة ذاتها واجبة لا يجوز تركها ، غير أنّ الوقت لمّا كان يسع لإيقاعها فيه عدّة مرّات ، كان لها أفراد طوليّة تدريجيّة مقدّرة الوجود في أوّل الوقت وثانيه وثالثه إلى آخره ، فيقع التخيير العقليّ بين الأفراد الطوليّة ، كالتخيير العقليّ بين الأفراد العرضيّة للطبيعة المأمور بها ، فيجوز الإتيان بفرد وترك الآخر من دون أن يكون جواز الترك له مساس في نفس المأمور به ، وهو طبيعة الفعل في الوقت المحدود (٤). فلا منافاة بين وجوب الطبيعة بملاحظة ذاتها وبين جواز ترك أفرادها عدا فرد واحد.

والقائلون بالامتناع التجئوا إلى تأويل ما ظاهره التوسعة في الشريعة ، فقال بعضهم بوجوبه في أوّل الوقت ، والإتيان به في الزمان الباقي يكون من باب القضاء والتدارك

__________________

(١) قال به الشيخ المفيد ـ من الإماميّة ـ في التذكرة بأصول الفقه : ٣٠ ، وبعض الحنفيّة وبعض الشافعيّة ـ من العامّة ـ على ما في فواتح الرحموت (المستصفى ١ : ٧٤) ، ونهاية السئول ١ : ١٦٣ ـ ١٦٤.

(٢) هذا القول مذهب السيد المرتضى والشيخ الطوسيّ. ونسب في القوانين إلى أكثر المحقّقين. راجع الذريعة إلى أصول الشريعة ١ : ١٤٥ ـ ١٤٦ ؛ العدّة ١ : ٢٣٤ ؛ قوانين الأصول ١ : ١١٨.

(٣) تقدّم في الصفحة : ١٠٨.

(٤) وفي «س» : المحدّد.

لما فات من الفعل في أوّل الوقت (١). وقال آخر بوجوبه في آخر الوقت ، والإتيان به قبله من باب النفل يسقط به الفرض ، نظير إيقاع غسل الجمعة في يوم الخميس وليلة الجمعة (٢). وقيل : غير ذلك (٣).

وكلّها أقوال متروكة عند علمائنا ، واضحة البطلان. فلا حاجة إلى الإطالة في ردّها (٤).

هل يتبع القضاء الأداء؟

ممّا يتفرّع عادة على البحث عن الموقّت «مسألة تبعيّة القضاء للأداء» ، وهي من مباحث الألفاظ ، وتدخل في باب الأوامر.

ولكن أخّر (٥) ذكرها إلى الخاتمة مع أنّ من حقّها أن تذكر قبلها ؛ لأنّها ـ كما قلنا ـ من فروع بحث الموقّت عادة ، فنقول :

إنّ الموقّت قد يفوت في وقته ؛ إمّا لتركه عن عذر ، أو عن عمد واختيار ؛ وإمّا لفساده لعذر أو لغير عذر. فإذا فات على أيّ نحو من هذه الأنحاء فقد ثبت في الشريعة وجوب تدارك بعض الواجبات ، كالصّلاة والصوم ، بمعنى أن يأتي بها خارج الوقت. ويسمّى هذا التدارك «قضاء». وهذا لا كلام فيه إلاّ أنّ الأصوليّين اختلفوا في أنّ وجوب القضاء هل هو على مقتضى القاعدة ـ بمعنى أنّ الأمر بنفس الموقّت يدلّ على وجوب قضائه إذا فات في

__________________

(١) هذا ما نسبه البيضاويّ في منهاج الأصول إلى بعض الشافعيّة ، وأنكر هذه النسبة الأسنوي في شرح منهاج الأصول «نهاية السئول». فراجع نهاية السئول ١ : ١٦٣ ـ ١٦٤ و ١٧١.

(٢) هذا القول منسوب إلى بعض الحنفيّة. راجع الإحكام (للآمدي) ١ : ١٤٩ ؛ فواتح الرحموت (المستصفى ١ : ٧٤) ؛ قوانين الأصول ١ : ١١٨.

(٣) كقول أبي الحسن الكرخي من كون الواجب الموسّع مراعى ، فإن أدراك المكلّف أخر الوقت على صفة المكلّفين تبيّن أنّ ما أتى به أوّل الوقت كان واجبا ، وإن لم يدرك آخر الوقت على صفة المكلّفين كان نفلا. هذا القول نسب إليه في فواتح الرحموت (المستصفى ١ : ٧٤) ، والإحكام (الآمدي) ١ : ١٤٩ ، ونهاية السئول ١ : ١٧٥.

(٤) ومن أراد تفصيل ما ذكر في ردّها فليراجع قوانين الأصول ١ : ١١٨ ، هداية المسترشدين : ٢٥٦ ، الفصول الغرويّة ، ١٠٤ ـ ١٠٥.

(٥) وفي «س» : أخّرت.