درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۸۲: صیغه امر ۲۱

 

لما فات من الفعل في أوّل الوقت (١). وقال آخر بوجوبه في آخر الوقت ، والإتيان به قبله من باب النفل يسقط به الفرض ، نظير إيقاع غسل الجمعة في يوم الخميس وليلة الجمعة (٢). وقيل : غير ذلك (٣).

وكلّها أقوال متروكة عند علمائنا ، واضحة البطلان. فلا حاجة إلى الإطالة في ردّها (٤).

هل يتبع القضاء الأداء؟

ممّا يتفرّع عادة على البحث عن الموقّت «مسألة تبعيّة القضاء للأداء» ، وهي من مباحث الألفاظ ، وتدخل في باب الأوامر.

ولكن أخّر (٥) ذكرها إلى الخاتمة مع أنّ من حقّها أن تذكر قبلها ؛ لأنّها ـ كما قلنا ـ من فروع بحث الموقّت عادة ، فنقول :

إنّ الموقّت قد يفوت في وقته ؛ إمّا لتركه عن عذر ، أو عن عمد واختيار ؛ وإمّا لفساده لعذر أو لغير عذر. فإذا فات على أيّ نحو من هذه الأنحاء فقد ثبت في الشريعة وجوب تدارك بعض الواجبات ، كالصّلاة والصوم ، بمعنى أن يأتي بها خارج الوقت. ويسمّى هذا التدارك «قضاء». وهذا لا كلام فيه إلاّ أنّ الأصوليّين اختلفوا في أنّ وجوب القضاء هل هو على مقتضى القاعدة ـ بمعنى أنّ الأمر بنفس الموقّت يدلّ على وجوب قضائه إذا فات في

__________________

(١) هذا ما نسبه البيضاويّ في منهاج الأصول إلى بعض الشافعيّة ، وأنكر هذه النسبة الأسنوي في شرح منهاج الأصول «نهاية السئول». فراجع نهاية السئول ١ : ١٦٣ ـ ١٦٤ و ١٧١.

(٢) هذا القول منسوب إلى بعض الحنفيّة. راجع الإحكام (للآمدي) ١ : ١٤٩ ؛ فواتح الرحموت (المستصفى ١ : ٧٤) ؛ قوانين الأصول ١ : ١١٨.

(٣) كقول أبي الحسن الكرخي من كون الواجب الموسّع مراعى ، فإن أدراك المكلّف أخر الوقت على صفة المكلّفين تبيّن أنّ ما أتى به أوّل الوقت كان واجبا ، وإن لم يدرك آخر الوقت على صفة المكلّفين كان نفلا. هذا القول نسب إليه في فواتح الرحموت (المستصفى ١ : ٧٤) ، والإحكام (الآمدي) ١ : ١٤٩ ، ونهاية السئول ١ : ١٧٥.

(٤) ومن أراد تفصيل ما ذكر في ردّها فليراجع قوانين الأصول ١ : ١١٨ ، هداية المسترشدين : ٢٥٦ ، الفصول الغرويّة ، ١٠٤ ـ ١٠٥.

(٥) وفي «س» : أخّرت.

وقته ، فيكون وجوب القضاء بنفس دليل الأداء ـ أو أنّ القاعدة لا تقتضي ذلك ، بل وجوب القضاء يحتاج إلى دليل خاصّ غير نفس دليل الأداء؟

وفي المسألة أقوال ثلاثة :

قول بالتبعيّة مطلقا (١).

وقول بعدمها مطلقا (٢).

وقول بالتفصيل بين ما إذا كان الدليل على التوقيت متّصلا ، فلا تبعيّة ، وبين ما إذا كان منفصلا ، فالقضاء تابع للأداء (٣).

والظاهر أنّ منشأ النزاع في المسألة يرجع إلى أنّ المستفاد من التوقيت هو وحدة المطلوب أو تعدّده؟ أي إنّ في الموقّت مطلوبا واحدا هو الفعل المقيّد بالوقت بما هو مقيّد ، أو مطلوبين ، وهما ذات الفعل وكونه واقعا في وقت معيّن؟

فعلى الأوّل ، إذا فات الامتثال في الوقت لم يبق طلب بنفس الذات ، فلا بدّ من فرض أمر جديد للقضاء بالإتيان بالفعل خارج الوقت. وعلى الثاني ، إذا فات الامتثال في الوقت فإنّما فات امتثال أحد الطلبين وهو طلب كونه في الوقت المعيّن ، وأمّا الطلب بذات الفعل : فباق على حاله.

ولذا ذهب بعضهم إلى التفصيل المذكور باعتبار أنّ المستفاد من دليل التوقيت في المتّصل وحدة المطلوب ، فيحتاج القضاء إلى أمر جديد ، والمستفاد في المنفصل تعدّد المطلوب ، فلا يحتاج القضاء إلى أمر جديد ويكون تابعا للأداء.

__________________

(١) وهذا منسوب إلى جماعة من الحنابلة وعامّة الحنفيّة والمعتزلة وأهل الحديث. راجع إرشاد الفحول : ١٠٦ ؛ وفواتح الرحموت (المستصفى ١ : ٨٨).

(٢) وهذا هو المعروف بين الأصوليّين ـ من العامّة والإماميّة ـ فراجع الإحكام (الآمدي) ١ : ١٥٦ ؛ إرشاد الفحول : ١٠٦ ؛ المستصفى ١ : ٩٦ ؛ العدّة ١ : ٢١٠ ؛ الفصول الغرويّة : ١١٤ ؛ فوائد الأصول ١ : ٢٣٧.

(٣) لم أعثر على من صرّح بهذا التفصيل. نعم ، فصّل صاحب الكفاية بين ما إذا كان لدليل المنفصل إطلاق فلا يدلّ على وجوب الإتيان خارج الوقت. وبين ما إذا لم يكن له إطلاق وكان لدليل الواجب إطلاق فيدلّ على بقاء الوجوب خارج الوقت. راجع كفاية الأصول : ١٧٨.

والمختار هو القول الثاني ، وهو عدم التبعيّة مطلقا ؛ لأنّ الظاهر من التقييد أنّ القيد ركن في المطلوب ، فإذا قال مثلا : «صم يوم الجمعة» فلا يفهم منه إلاّ مطلوب واحد لغرض واحد ، وهو خصوص صوم هذا اليوم ، لا أنّ الصوم بذاته مطلوب ، وكونه في يوم الجمعة مطلوب آخر.

وأمّا في مورد دليل التوقيت المنفصل ، كما إذا قال : «صم» ثمّ قال مثلا : «اجعل صومك يوم الجمعة» ، فأيضا كذلك ، نظرا إلى أنّ هذا من باب المطلق والمقيّد ، فيجب فيه حمل المطلق على المقيّد ، ومعنى حمل المطلق على المقيّد هو تقييد أصل المطلوب الأوّل بالقيد ، فيكشف ذلك التقييد عن أنّ المراد بالمطلق واقعا من أوّل الأمر خصوص المقيّد ، فيصبح الدليلان بمقتضى الجمع بينهما دليلا واحدا ، لا أنّ المقيّد مطلوب آخر غير المطلق ، وإلاّ كان معنى ذلك بقاء المطلق على إطلاقه ، فلم يكن حملا ولم يكن جمعا بين الدليلين ، بل يكون أخذا بالدليلين.

نعم ، يمكن أن يفرض ـ وإن كان هذا فرضا بعيد الوقوع في الشريعة ـ أن يكون دليل التوقيت المنفصل مقيّدا بالتمكّن ، كأن يقول في المثال : «اجعل صومك يوم الجمعة إن تمكّنت» ، أو كان دليل التوقيت ليس فيه إطلاق يعمّ صورتي التمكّن وعدمه ، ـ وصورة التمكّن هي القدر المتيقّن منه ـ فإنّه في هذا الفرض يمكن التمسّك بإطلاق دليل الواجب لإثبات وجوب الفعل خارج الوقت ؛ لأنّ دليل التوقيت غير صالح لتقييد إطلاق دليل الواجب إلاّ في صورة التمكّن ، ومع الاضطرار إلى ترك الفعل في الوقت يبقى دليل الواجب على إطلاقه.

وهذا الفرض هو الذي يظهر من الكفاية لشيخ أساتذتنا الآخوند قدس‌سره (١) ، ولكنّه فرض بعيد جدّا. على أنّه مع هذا الفرض لا يصدق الفوت ولا القضاء ، بل يكون وجوبه خارج الوقت من نوع الأداء.

__________________

(١) كفاية الأصول : ١٧٨.