درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۸۴: نواهی ۱

 

الباب الثالث

النواهي

وفيه خمس مسائل :

١. مادّة النهي

والمقصود بها كلمة «النهي» كمادّة الأمر. وهي عبارة عن طلب العالي من الداني ترك الفعل (١) ، أو فقل ـ على الأصحّ ـ : «إنّها عبارة عن زجر العالي للداني عن الفعل وردعه عنه (٢)» ، ولازم ذلك طلب الترك ، فيكون التفسير الأوّل تفسيرا باللازم على ما سيأتي توضيحه.

وهي (كلمة النهي) ككلمة «الأمر» في الدلالة على الإلزام عقلا لا وضعا ، وإنّما الفرق بينهما أنّ المقصود في الأمر الالزام بالفعل ، والمقصود في النهي الإلزام بالترك.

وعليه ، تكون مادّة «النهي» ظاهرة في الحرمة ، كما أنّ مادّة الأمر ظاهرة في الوجوب.

__________________

(١) هكذا عرّفها صاحب الفصول ، واختاره المحقّق الخراسانيّ ، فراجع الفصول الغرويّة : ١١٩ ؛ كفاية الأصول : ١٨٢.

والشيخ في العدّة عرّفها بـ «قول القائل لمن دونه : لا تفعل». وقال صاحب القوانين في تعريفها : «النهي هو طلب ترك الفعل بقول من العالي على سبيل الاستعلاء». راجع العدّة ١ : ٢٥٥ ، وقوانين الأصول ١ : ١٣٥ ـ ١٣٦.

وعدل صاحب الفصول عنهما ؛ لعدم شمولهما النهي بالفعل وبالإشارة.

(٢) ولعلّ الوجه في كونه أصحّ أنّ صريح اللغة هو وضع مادّة «النهي» للزجر والمنع. راجع أقرب الموارد ٢ : ١٣٥٤.

٢. صيغة النهي

المراد من صيغة النهي كلّ صيغة تدلّ على طلب الترك. أو فقل ـ على الأصحّ ـ : كلّ صيغة تدلّ على الزجر عن الفعل وردعه عنه ، كصيغة «لا تفعل» أو «إيّاك أن تفعل» ونحو ذلك.

والمقصود بـ «الفعل» الحدث الذي يدلّ عليه المصدر وإن لم يكن أمرا وجوديّا ، فيدخل فيها ـ على هذا ـ نحو قولهم : «لا تترك الصلاة» ؛ فإنّها من صيغ النهي لا من صيغ الأمر. كما أنّ قولهم : «اترك شرب الخمر» تعدّ من صيغ الأمر لا من صيغ النهي وإن أدّت مؤدّى «لا تشرب الخمر».

والسرّ في ذلك واضح ؛ فإنّ المدلول المطابقيّ لقولهم : «لا تترك» هو الزجر والنهي عن ترك الفعل ، وإن كان لازمه الأمر بالفعل ، فيدلّ عليه بالدلالة الالتزاميّة. والمدلول المطابقي لقولهم : «اترك» هو الأمر بترك الفعل ، وإن كان لازمه النهي عن الفعل ، فيدلّ عليه بالدلالة الالتزاميّة.

٣. ظهور صيغة النهي في التحريم

الحقّ أنّ صيغة النهي ظاهرة في التحريم ، ولكن لا لأنّها موضوعة لمفهوم الحرمة وحقيقة فيه كما هو المعروف (١) ، بل حالها في ذلك حال ظهور صيغة «افعل» في الوجوب ، فإنّه قد قلنا هناك : إنّ هذا الظهور إنّما هو بحكم العقل (٢) ، لا أنّ الصيغة موضوعة ومستعملة في مفهوم الوجوب.

وكذلك صيغة «لا تفعل» ؛ فإنّها أكثر ما تدلّ عليه النسبة الزجريّة بين الناهي والمنهيّ

__________________

(١) نسبه المحقّق القمي إلى الأشهر ، فراجع القوانين ١ : ١٣٦. ونسبه إلى الأكثر في الفصول الغرويّة : ١٢٠. وفي إرشاد الفحول نسبه إلى جمهور العامّة ، فراجع إرشاد الفحول : ١٠٩.

(٢) وهذا ما قال به المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ١ : ١٣٦. واختاره المصنّف رحمه‌الله هنا. وقد مرّ في الصفحة : ٨٣ و ٨٥.

عنه والمنهيّ. فإذا صدرت ممّن تجب طاعته ويجب الانزجار بزجره والانتهاء عمّا نهى عنه ولم ينصب قرينة على جواز الفعل كان مقتضى وجوب طاعة هذا المولى وحرمة عصيانه عقلا ـ قضاء لحقّ العبوديّة والمولويّة ـ عدم جواز ترك الفعل الذي نهى عنه إلاّ مع الترخيص من قبله.

فيكون ـ على هذا ـ نفس صدور النهي من المولى بطبعه مصداقا لحكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة المعصية ، فيكون النهي مصداقا للتحريم حسب ظهوره الإطلاقيّ ، لا أنّ التحريم ـ الذي هو مفهوم اسميّ ـ وضعت له الصيغة واستعملت فيه.

والكلام هنا كالكلام في صيغة «افعل» بلا فرق من جهة الأقوال والاختلافات.

٤. ما المطلوب في النهي؟

كلّ ما تقدّم ليس فيه خلاف جديد غير الخلاف الموجود في صيغة «افعل». وإنّما اختصّ النهي في خلاف واحد ، وهو أنّ المطلوب في النهي هل هو مجرّد الترك (١) أو كفّ النفس عن الفعل (٢)؟. والفرق بينهما أنّ المطلوب على القول الأوّل أمر عدميّ محض ، والمطلوب على القول الثاني أمر وجوديّ ؛ لأنّ الكفّ فعل من أفعال النفس.

والحقّ هو القول الأوّل.

ومنشأ القول الثاني توهّم هذا القائل أنّ الترك ـ الذي معناه إبقاء عدم الفعل المنهيّ عنه على حاله ـ ليس بمقدور للمكلّف ؛ لأنّه أزليّ خارج عن القدرة ، فلا يمكن تعلّق الطلب به.

والمعقول من النهي أن يتعلّق فيه الطلب بردع النفس وكفّها عن الفعل ، وهو فعل نفسانيّ يقع تحت الاختيار.

والجواب عن هذا التوهّم أنّ عدم المقدوريّة في الأزل على العدم لا ينافي المقدوريّة

__________________

(١) ذهب إليه أكثر الإماميّة ، فراجع معالم الدين : ١٠٤ ؛ قوانين الأصول ١ : ١٣٧ ؛ الفصول الغرويّة : ١٢٠ ؛ كفاية الأصول : ١٨٣ ؛ فوائد الأصول ٢ : ٣٩٤.

(٢) ذهب إليه كثير من العامّة ، فراجع : شرح العضدي ١ : ١٠٣ ؛ المحصول في علم أصول الفقه (الرازي) ١ : ٣٥٠ ؛ نهاية السئول ٢ : ٢٩٣ ؛ إرشاد الفحول : ١٠٩ ؛ منتهى الوصول والأمل : ١٠٠.