درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۸۵: نواهی ۲

 

عنه والمنهيّ. فإذا صدرت ممّن تجب طاعته ويجب الانزجار بزجره والانتهاء عمّا نهى عنه ولم ينصب قرينة على جواز الفعل كان مقتضى وجوب طاعة هذا المولى وحرمة عصيانه عقلا ـ قضاء لحقّ العبوديّة والمولويّة ـ عدم جواز ترك الفعل الذي نهى عنه إلاّ مع الترخيص من قبله.

فيكون ـ على هذا ـ نفس صدور النهي من المولى بطبعه مصداقا لحكم العقل بوجوب الطاعة وحرمة المعصية ، فيكون النهي مصداقا للتحريم حسب ظهوره الإطلاقيّ ، لا أنّ التحريم ـ الذي هو مفهوم اسميّ ـ وضعت له الصيغة واستعملت فيه.

والكلام هنا كالكلام في صيغة «افعل» بلا فرق من جهة الأقوال والاختلافات.

٤. ما المطلوب في النهي؟

كلّ ما تقدّم ليس فيه خلاف جديد غير الخلاف الموجود في صيغة «افعل». وإنّما اختصّ النهي في خلاف واحد ، وهو أنّ المطلوب في النهي هل هو مجرّد الترك (١) أو كفّ النفس عن الفعل (٢)؟. والفرق بينهما أنّ المطلوب على القول الأوّل أمر عدميّ محض ، والمطلوب على القول الثاني أمر وجوديّ ؛ لأنّ الكفّ فعل من أفعال النفس.

والحقّ هو القول الأوّل.

ومنشأ القول الثاني توهّم هذا القائل أنّ الترك ـ الذي معناه إبقاء عدم الفعل المنهيّ عنه على حاله ـ ليس بمقدور للمكلّف ؛ لأنّه أزليّ خارج عن القدرة ، فلا يمكن تعلّق الطلب به.

والمعقول من النهي أن يتعلّق فيه الطلب بردع النفس وكفّها عن الفعل ، وهو فعل نفسانيّ يقع تحت الاختيار.

والجواب عن هذا التوهّم أنّ عدم المقدوريّة في الأزل على العدم لا ينافي المقدوريّة

__________________

(١) ذهب إليه أكثر الإماميّة ، فراجع معالم الدين : ١٠٤ ؛ قوانين الأصول ١ : ١٣٧ ؛ الفصول الغرويّة : ١٢٠ ؛ كفاية الأصول : ١٨٣ ؛ فوائد الأصول ٢ : ٣٩٤.

(٢) ذهب إليه كثير من العامّة ، فراجع : شرح العضدي ١ : ١٠٣ ؛ المحصول في علم أصول الفقه (الرازي) ١ : ٣٥٠ ؛ نهاية السئول ٢ : ٢٩٣ ؛ إرشاد الفحول : ١٠٩ ؛ منتهى الوصول والأمل : ١٠٠.

بقاء واستمرارا ؛ إذ القدرة على الوجود تلازم القدرة على العدم ، بل القدرة على العدم على طبع القدرة على الوجود ، وإلاّ لو كان العدم غير مقدور بقاء لما كان الوجود مقدورا ، فإنّ المختار القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل.

والتحقيق أنّ هذا البحث ساقط من أصله ، فإنّه ـ كما أشرنا إليه فيما سبق ـ ليس معنى النهي هو الطلب ، حتّى يقال : «إنّ المطلوب هو الترك أو الكفّ؟» ، وإنّما طلب الترك من لوازم النهي ، ومعنى النهي المطابقيّ هو الزجر والردع. نعم ، الردع عن الفعل (١) يلزمه عقلا طلب الترك ، كما أنّ البعث نحو الفعل (٢) في الأمر يلزمه عقلا الردع عن الترك.

فالأمر والنهي ـ كلاهما ـ يتعلّقان بنفس الفعل رأسا ، فلا موقع للحيرة والشكّ في أنّ الطلب في النهي يتعلّق بالترك أو الكفّ.

٥. دلالة صيغة النهي على الدوام والتكرار (٣)

اختلفوا في دلالة صيغة النهي على التكرار أو المرّة ، كالاختلاف في صيغة «افعل».

والحقّ هنا ما قلناه هناك بلا فرق ، فلا دلالة لصيغة «لا تفعل» ، لا بهيئتها ، ولا بمادّتها على الدوام والتكرار ، ولا على المرّة ، وإنّما المنهيّ عنه صرف الطبيعة ، كما أنّ المبعوث نحوه في صيغة «افعل» صرف الطبيعة.

غير أنّ بينهما فرقا من ناحية عقليّة في مقام الامتثال ، فإنّ امتثال النهي بالانزجار عن فعل الطبيعة ، ولا يكون ذلك إلاّ بترك جميع أفرادها ، فإنّه لو فعلها مرّة واحدة ، ما كان ممتثلا. وأمّا امتثال الأمر فيتحقّق بإيجاد أوّل وجود من أفراد الطبيعة ، ولا تتوقّف طبيعة الامتثال على أكثر من فعل المأمور به مرّة واحدة.

وليس هذا الفرق من أجل وضع الصيغتين ودلالتهما ، بل ذلك مقتضى طبع النهي والأمر عقلا.

__________________

(١) ويعبّر بالفارسيّة «بازداشتن از انجام كارى».

(٢) ويعبّر بالفارسيّة : «وا داشتن به انجام كارى».

(٣) والأنسب أن يقال في عنوان المسألة : «عدم دلالة صيغة النهي على الدوام والتكرار».