درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۸۶: نواهی ۳

 

بقاء واستمرارا ؛ إذ القدرة على الوجود تلازم القدرة على العدم ، بل القدرة على العدم على طبع القدرة على الوجود ، وإلاّ لو كان العدم غير مقدور بقاء لما كان الوجود مقدورا ، فإنّ المختار القادر هو الذي إن شاء فعل وإن لم يشأ لم يفعل.

والتحقيق أنّ هذا البحث ساقط من أصله ، فإنّه ـ كما أشرنا إليه فيما سبق ـ ليس معنى النهي هو الطلب ، حتّى يقال : «إنّ المطلوب هو الترك أو الكفّ؟» ، وإنّما طلب الترك من لوازم النهي ، ومعنى النهي المطابقيّ هو الزجر والردع. نعم ، الردع عن الفعل (١) يلزمه عقلا طلب الترك ، كما أنّ البعث نحو الفعل (٢) في الأمر يلزمه عقلا الردع عن الترك.

فالأمر والنهي ـ كلاهما ـ يتعلّقان بنفس الفعل رأسا ، فلا موقع للحيرة والشكّ في أنّ الطلب في النهي يتعلّق بالترك أو الكفّ.

٥. دلالة صيغة النهي على الدوام والتكرار (٣)

اختلفوا في دلالة صيغة النهي على التكرار أو المرّة ، كالاختلاف في صيغة «افعل».

والحقّ هنا ما قلناه هناك بلا فرق ، فلا دلالة لصيغة «لا تفعل» ، لا بهيئتها ، ولا بمادّتها على الدوام والتكرار ، ولا على المرّة ، وإنّما المنهيّ عنه صرف الطبيعة ، كما أنّ المبعوث نحوه في صيغة «افعل» صرف الطبيعة.

غير أنّ بينهما فرقا من ناحية عقليّة في مقام الامتثال ، فإنّ امتثال النهي بالانزجار عن فعل الطبيعة ، ولا يكون ذلك إلاّ بترك جميع أفرادها ، فإنّه لو فعلها مرّة واحدة ، ما كان ممتثلا. وأمّا امتثال الأمر فيتحقّق بإيجاد أوّل وجود من أفراد الطبيعة ، ولا تتوقّف طبيعة الامتثال على أكثر من فعل المأمور به مرّة واحدة.

وليس هذا الفرق من أجل وضع الصيغتين ودلالتهما ، بل ذلك مقتضى طبع النهي والأمر عقلا.

__________________

(١) ويعبّر بالفارسيّة «بازداشتن از انجام كارى».

(٢) ويعبّر بالفارسيّة : «وا داشتن به انجام كارى».

(٣) والأنسب أن يقال في عنوان المسألة : «عدم دلالة صيغة النهي على الدوام والتكرار».

تنبيه

لم نذكر هنا ما اعتاد المؤلّفون ذكره من بحثي اجتماع الأمر والنهي ، ودلالة النهي على الفساد ؛ لأنّهما داخلان في «المباحث العقليّة» ، كما سيأتي ، وليس هما من مباحث الألفاظ (١). وكذلك بحث مقدّمة الواجب ، ومسألة الضدّ ، ومسألة الإجزاء ليست من مباحث الألفاظ أيضا. وسنذكر الجميع في المقصد الثاني (المباحث العقليّة) إن شاء الله (تعالى).

تمرينات (١٣)

١. ما معنى النهي بمادّته؟

٢. ما المراد من صيغة النهي؟

٣. ما الدليل على أنّ صيغة النهي ظاهرة في التحريم؟

٤. ما المطلوب في النهي؟

٥. ما الفرق بين الترك وكفّ النفس عن الفعل؟

٦. ما الجواب عن توهّم من قال : «إن الترك أمر عدميّ لا يمكن تعلّق الطلب به»؟

٧. هل تدلّ صيغة النهي على الدوام أو التكرار؟

__________________

(١) والمناط في كون المسألة عقليّة هو كون البحث حول درك العقل وعدمه ، والمناط في كونها لفظيّة هو كون البحث حول الدلالات اللفظيّة. وقد تكون المسألة عقليّة محضة ، وقد تكون لفظيّة محضة ، وقد تكون عقليّة ولفظيّة. ومسألة دلالة النهي على الفساد من قسم الأخير كما سيأتي في محلّه.

الباب الرابع

المفاهيم

تمهيد

في معنى كلمة «المفهوم» ، وفي النزاع في حجيّته ، وفي أقسامه. فهذه ثلاثة مباحث :

١. معنى كلمة المفهوم

تطلق كلمة «المفهوم» على ثلاثة معان :

١. المعنى المدلول للّفظ الذي يفهم منه ، فيساوي كلمة «المدلول» ، سواء كان مدلولا لمفرد أو جملة ، وسواء كان مدلولا حقيقيّا أو مجازيّا.

٢. ما يقابل المصداق ، فيراد منه كلّ معنى يفهم وإن لم يكن مدلولا للّفظ ، فيعمّ المعنى الأوّل وغيره.

٣. ما يقابل المنطوق ، وهو أخصّ من الأوّلين. وهذا هو المقصود بالبحث هنا. وهو اصطلاح أصوليّ يختصّ بالمدلولات الالتزاميّة للجمل التركيبيّة ، سواء كانت إنشائيّة أو إخباريّة ، فلا يقال لمدلول المفرد مفهوم وإن كان من المدلولات الالتزاميّة.

أمّا المنطوق : فمقصودهم منه ما يدلّ عليه اللفظ في حدّ ذاته على وجه يكون اللفظ المنطوق حاملا لذلك المعنى ، وقالبا له ، فيسمّى المعنى «منطوقا» تسمية للمدلول باسم الدالّ. ولذلك يختصّ المنطوق بالمدلول المطابقيّ فقط ، وإن كان المعنى مجازا قد استعمل فيه اللفظ بقرينة.

وعليه ، فالمفهوم الذي يقابله ما لم يكن اللفظ حاملا له دالاّ عليه بالمطابقة ، ولكن يدلّ