درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۸۸: مفاهیم ۲

 

إذن ، ما معنى النّزاع في حجيّة المفهوم حينما يقولون مثلا : هل مفهوم الشرط حجّة أو لا؟

وعلى تقديره ، لا يدخل هذا النزاع في مباحث الألفاظ التي كان الغرض منها تشخيص الظهور في الكلام وتنقيح صغريات حجيّة الظهور ، بل ينبغي أن يدخل في مباحث الحجّة ، كالبحث عن حجّيّة الظهور وحجّيّة الكتاب ونحو ذلك.

والجواب أنّ النزاع هنا في الحقيقة إنّما هو في وجود الدلالة على المفهوم ، ـ أي في أصل ظهور الجملة فيه وعدم ظهورها ـ. وبعبارة أوضح : النزاع هنا في حصول المفهوم للجملة لا في حجّيّته بعد فرض حصوله.

فمعنى النزاع في مفهوم الشرط ـ مثلا ـ أنّ الجملة الشرطيّة مع قطع النظر عن القرائن الخاصّة هل تدلّ على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط؟ وهل هي ظاهرة في ذلك؟ لا أنّه بعد دلالتها على هذا المفهوم وظهورها فيه يتنازع في حجّيته ، فإنّ هذا لا معنى له ، وإن أوهم ذلك ظاهر بعض تعبيراتهم ، كما يقولون مثلا : «مفهوم الشرط حجّة أم لا؟». ولكن غرضهم ما ذكرنا.

كما أنّه لا نزاع في دلالة بعض الجمل على مفهوم لها إذا كانت لها قرينة خاصّة على ذلك المفهوم ، فإنّ هذا ليس موضع كلامهم ؛ بل موضوع الكلام ومحلّ النزاع في دلالة نوع تلك الجملة ، كنوع الجملة الشرطيّة على المفهوم مع تجرّدها عن القرائن الخاصّة.

٣. أقسام المفهوم

ينقسم المفهوم إلى مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة :

١. مفهوم الموافقة ما كان الحكم في المفهوم موافقا في السنخ للحكم الموجود في المنطوق ، فإن كان الحكم في المنطوق الوجوب ـ مثلا ـ كان في المفهوم الوجوب أيضا ، وهكذا ، كدلالة الأولويّة في مثل قوله (تعالى) : ﴿فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍ﴾ (١) على النهي عن الضرب والشتم للأبوين ، ونحو ذلك ممّا هو أشدّ إهانة وإيلاما من التأفيف المحرّم بحكم الآية.

__________________

(١) الإسراء (١٧) الآية : ٢٣.

وقد يسمّى هذا المفهوم «فحوى الخطاب».

ولا نزاع في حجّيّة مفهوم الموافقة ، بمعنى دلالة الأولويّة على تعدّي الحكم إلى ما هو أولى في علّة الحكم ، وله تفصيل كلام يأتي في موضعه (١).

٢. مفهوم المخالفة ما كان الحكم فيه مخالفا في السنخ للحكم الموجود في المنطوق ، وله موارد كثيرة وقع الكلام فيها نذكرها بالتفصيل ، وهي ستّة :

١. مفهوم الشرط.

٢. مفهوم الوصف.

٣. مفهوم الغاية.

٤. مفهوم الحصر.

٥. مفهوم العدد.

٦. مفهوم اللقب.

تمرينات (١٤)

التمرين الأوّل

١. ما معنى كلمة «المفهوم»؟

٢. ما المقصود من «المفهوم» في المقام؟

٣. ما هو تعريف المفهوم والمنطوق؟

٤. ما معنى النزاع في حجّيّة المفهوم؟

٥. ما هو مفهوم الموافقة ومفهوم المخالفة؟ ايت بمثال لهما.

التمرين الثاني

١. ما هي الأقوال في حقيقة المفهوم والمنطوق؟

__________________

(١) يأتي في مبحث «قياس الأولويّة» من مباحث القياس في الجزء الثالث.

الأوّل : مفهوم الشرط

تحرير محلّ النزاع

لا شكّ في أنّ الجملة الشرطيّة يدلّ منطوقها ـ بالوضع ـ على تعليق التالي فيها على المقدّم الواقع موقع الفرض والتقدير. وهي على نحوين :

١. أن تكون مسوقة لبيان موضوع الحكم ، أي إنّ المقدّم هو نفس موضوع الحكم ، حيث يكون الحكم في التالي منوطا بالشرط في المقدّم على وجه لا يعقل فرض الحكم بدونه ، نحو قولهم : «إن رزقت ولدا فاختنه» ؛ فإنّه في المثال لا يعقل فرض ختان الولد إلاّ بعد فرض وجوده. ومنه قوله (تعالى) : ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ ؛ (١) فإنّه لا يعقل فرض الإكراه على البغاء إلاّ بعد فرض إرادة التحصّن من قبل الفتيات.

وقد اتّفق الأصوليّون على أنّه لا مفهوم لهذا النحو من الجملة الشرطيّة ؛ لأنّ انتفاء الشرط معناه انتفاء موضوع الحكم ، فلا معنى للحكم بانتفاء التالي على تقدير انتفاء المقدّم إلاّ على نحو السالبة بانتفاء الموضوع. ولا حكم حينئذ بالانتفاء ، بل هو انتفاء الحكم. فلا مفهوم للشرطيّة في المثالين ، فلا يقال : «إن لم ترزق ولدا فلا تختنه» ولا يقال : «إن لم يردن تحصّنا فأكرهوهنّ على البغاء».

٢. ألاّ تكون مسوقة لبيان الموضوع ، حيث يكون الحكم في التالي منوطا بالشرط على وجه يمكن فرض الحكم بدونه ، نحو قولهم : «إن أحسن صديقك فأحسن إليه» ، فإنّ فرض الإحسان إلى الصديق لا يتوقّف عقلا على فرض صدور الإحسان منه ، فإنّه يمكن الإحسان إليه ، أحسن أو لم يحسن.

وهذا النحو الثاني من الشرطيّة هو محلّ النزاع في مسألتنا ، ومرجعه إلى النزاع في دلالة الشرطيّة على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط ، بمعنى أنّه هل يستكشف من طبع التعليق على الشرط انتفاء نوع الحكم المعلّق ـ كالوجوب مثلا ـ على تقدير انتفاء الشرط؟

__________________

(١) النور (٢٤) الآية : ٣٣.