درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۸۹: مفاهیم ۳

 

الأوّل : مفهوم الشرط

تحرير محلّ النزاع

لا شكّ في أنّ الجملة الشرطيّة يدلّ منطوقها ـ بالوضع ـ على تعليق التالي فيها على المقدّم الواقع موقع الفرض والتقدير. وهي على نحوين :

١. أن تكون مسوقة لبيان موضوع الحكم ، أي إنّ المقدّم هو نفس موضوع الحكم ، حيث يكون الحكم في التالي منوطا بالشرط في المقدّم على وجه لا يعقل فرض الحكم بدونه ، نحو قولهم : «إن رزقت ولدا فاختنه» ؛ فإنّه في المثال لا يعقل فرض ختان الولد إلاّ بعد فرض وجوده. ومنه قوله (تعالى) : ﴿وَلا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً﴾ ؛ (١) فإنّه لا يعقل فرض الإكراه على البغاء إلاّ بعد فرض إرادة التحصّن من قبل الفتيات.

وقد اتّفق الأصوليّون على أنّه لا مفهوم لهذا النحو من الجملة الشرطيّة ؛ لأنّ انتفاء الشرط معناه انتفاء موضوع الحكم ، فلا معنى للحكم بانتفاء التالي على تقدير انتفاء المقدّم إلاّ على نحو السالبة بانتفاء الموضوع. ولا حكم حينئذ بالانتفاء ، بل هو انتفاء الحكم. فلا مفهوم للشرطيّة في المثالين ، فلا يقال : «إن لم ترزق ولدا فلا تختنه» ولا يقال : «إن لم يردن تحصّنا فأكرهوهنّ على البغاء».

٢. ألاّ تكون مسوقة لبيان الموضوع ، حيث يكون الحكم في التالي منوطا بالشرط على وجه يمكن فرض الحكم بدونه ، نحو قولهم : «إن أحسن صديقك فأحسن إليه» ، فإنّ فرض الإحسان إلى الصديق لا يتوقّف عقلا على فرض صدور الإحسان منه ، فإنّه يمكن الإحسان إليه ، أحسن أو لم يحسن.

وهذا النحو الثاني من الشرطيّة هو محلّ النزاع في مسألتنا ، ومرجعه إلى النزاع في دلالة الشرطيّة على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط ، بمعنى أنّه هل يستكشف من طبع التعليق على الشرط انتفاء نوع الحكم المعلّق ـ كالوجوب مثلا ـ على تقدير انتفاء الشرط؟

__________________

(١) النور (٢٤) الآية : ٣٣.

وإنّما قلنا : «نوع الحكم» (١) ؛ لأنّ شخص كلّ حكم في القضيّة الشرطيّة أو غيرها ينتفي بانتفاء موضوعه ، أو أحد قيود الموضوع ، سواء كان للقضيّة مفهوم ، أو لم يكن.

وفي مفهوم الشرطيّة قولان : أقواهما أنّها تدلّ على الانتفاء عند الانتفاء.

المناط في مفهوم الشرط

إنّ دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم تتوقّف على دلالتها ـ بالوضع أو بالإطلاق ـ على أمور ثلاثة مترتّبة :

١. دلالتها على الارتباط والملازمة بين المقدّم والتالي.

٢. دلالتها ـ زيادة على الارتباط والملازمة ـ على أنّ التالي معلّق على المقدّم ، ومترتّب عليه ، وتابع له ، فيكون المقدّم سببا للتالي. والمقصود من السبب هنا هو كلّ ما يترتّب عليه الشيء وإن كان شرطا ونحوه ، فيكون أعمّ من السبب المصطلح في فنّ المعقول.

٣. دلالتها ـ زيادة على ما تقدّم ـ على انحصار السببيّة في المقدّم ، بمعنى أنّه لا سبب بديل له يترتّب عليه التالي.

وتوقّف المفهوم للجملة الشرطيّة على هذه الأمور الثلاثة واضح ؛ لأنّه لو كانت الجملة اتّفاقيّة أو كان التالي غير مترتّب على المقدّم أو كان مترتّبا ولكن لا على نحو الانحصار فيه فإنّه في جميع ذلك لا يلزم من انتفاء المقدّم انتفاء التالي.

وإنّما الذي ينبغي إثباته هنا هو أنّ الجملة ظاهرة في هذه الأمور الثلاثة وضعا أو إطلاقا ؛ لتكون حجّة في المفهوم.

والحقّ ظهور الجملة الشرطيّة في هذه الأمور ؛ وضعا في بعضها ؛ وإطلاقا في

__________________

(١) وقد يعبّر عنه بـ «سنخ الحكم» ويقال : إنّ المقصود من انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط أو الوصف هو انتفاء سنخ الحكم لا شخصه. بيان ذلك : أنّ انتفاء الحكم الشخصيّ عند انتفاء القيد ضروريّ لا يقبل النزاع ، فإذا قيل : «إذا جاء زيد فأكرمه» فعند عدم المجىء لا يتحقّق وجوب الإكرام المسبّب عن المجيء ، قطعا ؛ إنّما الكلام في انتفاء وجوب الإكرام رأسا عند انتفاء المجيء ، بمعنى أنّ زيدا عند انتفاء المجيء محكوم بعدم وجوب إكرامه مطلقا ، أي حتى الوجوب الذي يفرض عند تحقّق شيء آخر.