درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۹۰: مفاهیم ۴

 

وإنّما قلنا : «نوع الحكم» (١) ؛ لأنّ شخص كلّ حكم في القضيّة الشرطيّة أو غيرها ينتفي بانتفاء موضوعه ، أو أحد قيود الموضوع ، سواء كان للقضيّة مفهوم ، أو لم يكن.

وفي مفهوم الشرطيّة قولان : أقواهما أنّها تدلّ على الانتفاء عند الانتفاء.

المناط في مفهوم الشرط

إنّ دلالة الجملة الشرطيّة على المفهوم تتوقّف على دلالتها ـ بالوضع أو بالإطلاق ـ على أمور ثلاثة مترتّبة :

١. دلالتها على الارتباط والملازمة بين المقدّم والتالي.

٢. دلالتها ـ زيادة على الارتباط والملازمة ـ على أنّ التالي معلّق على المقدّم ، ومترتّب عليه ، وتابع له ، فيكون المقدّم سببا للتالي. والمقصود من السبب هنا هو كلّ ما يترتّب عليه الشيء وإن كان شرطا ونحوه ، فيكون أعمّ من السبب المصطلح في فنّ المعقول.

٣. دلالتها ـ زيادة على ما تقدّم ـ على انحصار السببيّة في المقدّم ، بمعنى أنّه لا سبب بديل له يترتّب عليه التالي.

وتوقّف المفهوم للجملة الشرطيّة على هذه الأمور الثلاثة واضح ؛ لأنّه لو كانت الجملة اتّفاقيّة أو كان التالي غير مترتّب على المقدّم أو كان مترتّبا ولكن لا على نحو الانحصار فيه فإنّه في جميع ذلك لا يلزم من انتفاء المقدّم انتفاء التالي.

وإنّما الذي ينبغي إثباته هنا هو أنّ الجملة ظاهرة في هذه الأمور الثلاثة وضعا أو إطلاقا ؛ لتكون حجّة في المفهوم.

والحقّ ظهور الجملة الشرطيّة في هذه الأمور ؛ وضعا في بعضها ؛ وإطلاقا في

__________________

(١) وقد يعبّر عنه بـ «سنخ الحكم» ويقال : إنّ المقصود من انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط أو الوصف هو انتفاء سنخ الحكم لا شخصه. بيان ذلك : أنّ انتفاء الحكم الشخصيّ عند انتفاء القيد ضروريّ لا يقبل النزاع ، فإذا قيل : «إذا جاء زيد فأكرمه» فعند عدم المجىء لا يتحقّق وجوب الإكرام المسبّب عن المجيء ، قطعا ؛ إنّما الكلام في انتفاء وجوب الإكرام رأسا عند انتفاء المجيء ، بمعنى أنّ زيدا عند انتفاء المجيء محكوم بعدم وجوب إكرامه مطلقا ، أي حتى الوجوب الذي يفرض عند تحقّق شيء آخر.

البعض الآخر.

١. أمّا دلالتها على الارتباط ووجود العلقة اللزوميّة بين الطرفين ، فالظاهر أنّه بالوضع بحكم التبادر ؛ ولكن لا بوضع خصوص أدوات الشرط (١) حتّى ينكر وضعها لذلك ، بل بوضع الهيئة التركيبيّة للجملة الشرطيّة بمجموعها (٢). وعليه فاستعمالها في الاتّفاقيّة يكون بالعناية وادّعاء التلازم والارتباط بين المقدّم والتالي إذا اتّفقت لهما المقارنة في الوجود.

٢. وأمّا دلالتها على أنّ التالي مترتّب على المقدّم بأيّ نحو من أنحاء الترتّب فهو بالوضع أيضا ، ولكن لا بمعنى أنّها موضوعة بوضعين : وضع للتلازم ، ووضع آخر للترتّب ، بل بمعنى أنّها موضوعة بوضع واحد ؛ للارتباط الخاصّ وهو ترتّب التالي على المقدّم.

والدليل على ذلك هو تبادر ترتّب التالي على المقدّم منها ، فإنّها تدلّ على أنّ المقدّم وضع فيها موضع الفرض والتقدير ، وعلى تقدير حصوله فالتالي حاصل عنده تبعا ـ أي يتلوه في الحصول ـ. أو فقل : إنّ المتبادر منها لابديّة الجزاء عند فرض حصول الشرط. وهذا لا يمكن أن ينكره إلاّ مكابر أو غافل ، فإنّ هذا هو معنى التعليق الذي هو مفاد الجملة الشرطيّة التي لا مفاد لها غيره. ومن هنا سمّوا الجزء الأوّل منها «شرطا ومقدّما» ، وسمّوا الجزء الثاني «جزاء وتاليا».

فإذا كانت جملة إنشائيّة ـ أي إنّ التالي متضمّن لإنشاء حكم تكليفيّ أو وضعيّ ـ فإنّها تدلّ على تعليق الحكم على الشرط ، فتدلّ على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط المعلّق عليه الحكم.

وإذا كانت جملة خبريّة ـ أي إنّ التالي متضمّن لحكاية خبر ـ فإنّها تدلّ على تعليق حكايته على المقدّم ، سواء كان المحكيّ عنه خارجا وفي الواقع مترتّبا على المقدّم ، فتتطابق الحكاية مع المحكيّ عنه ، كقولنا : «إن كانت الشمس طالعة فالنهار موجود» ، أو مترتّبا عليه بأن كان العكس كقولنا : «إن كان النهار موجودا فالشمس طالعة» ، أو كان لا ترتّب بينهما ، كالمتضايفين في مثل قولنا : «إن كان خالد ابنا لزيد فزيد أبوه».

__________________

(١) كما في هداية المسترشدين : ٢٨٢ ، ومطارح الأنظار : ١٧٠.

(٢) كما في الفصول الغرويّة : ١٤٧.