درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۹۸: مفاهیم ۱۲

 

فما عن بعض الشافعيّة (١) من القول بدلالة القضيّة المذكورة (٢) على عدم الزكاة في الإبل المعلوفة لا وجه له قطعا.

الأقوال في المسألة والحقّ فيها

لا شكّ في دلالة التقييد بالوصف على المفهوم عند وجود القرينة الخاصّة ، ولا شكّ في عدم الدلالة عند وجود القرينة على ذلك ، مثل ما إذا ورد الوصف مورد الغالب الذي يفهم منه عدم إناطة الحكم به وجودا وعدما ، نحو قوله (تعالى) : ﴿وَرَبائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُمْ﴾ (٣) ؛ فإنّه لا مفهوم لمثل هذه القضيّة مطلقا ؛ إذ يفهم منه أنّ وصف الربائب بأنّها في حجوركم لأنّها غالبا تكون كذلك ، والغرض منه الإشعار بعلّة الحكم ؛ إذ أنّ اللاّئي تربّى في الحجور تكون كالبنات.

وإنّما الخلاف عند تجرّد القضيّة عن القرائن الخاصّة ، فإنّهم اختلفوا في أنّ مجرّد التقييد بالوصف هل يدلّ على المفهوم ـ أي انتفاء حكم الموصوف عند انتفاء الوصف ـ أو لا يدلّ؟ نظير الاختلاف المتقدّم في التقييد بالشرط. وفي المسألة قولان : والمشهور القول الثاني ، وهو عدم المفهوم (٤).

والسرّ في الخلاف يرجع إلى أنّ التقييد المستفاد من الوصف هل هو تقييد لنفس الحكم ـ أي إنّ الحكم منوط به ـ أو أنّه تقييد لنفس موضوع الحكم أو متعلّق الموضوع باختلاف الموارد ، فيكون الموضوع أو متعلّق الموضوع هو المجموع المؤلّف من الموصوف والوصف؟

فإن كان الأوّل فإنّ التقييد بالوصف يكون ظاهرا في انتفاء الحكم عند انتفائه بمقتضى

__________________

(١) نقل عنهم في اللمع : ٤٦ ، والمنخول : ٢٢٢.

(٢) أي قوله عليه‌السلام : «في الغنم السائمة زكاة».

(٣) النساء (٤) الآية : ٢٣.

(٤) نسبه الشيخ الأنصاريّ إلى المشهور. راجع مطارح الأنظار : ١٨٢. والقول الأوّل نسب إلى ظاهر كلام الشيخ ـ من الإماميّة ـ والشافعي ومالك وأكثر أصحابهما ـ من العامّة ـ. راجع الفصول الغرويّة : ١٥١ ؛ والمستصفى ٢ : ١٩١.

الإطلاق ؛ لأنّ الإطلاق يقتضي ـ بعد فرض إناطة الحكم بالوصف ـ انحصاره فيه كما قلنا في التقييد بالشرط.

وإن كان الثاني فإنّ التقييد لا يكون ظاهرا في انتفاء الحكم عند انتفاء الوصف ؛ لأنّه حينئذ يكون من قبيل مفهوم اللقب ؛ إذ إنّه يكون التعبير بالوصف والموصوف لتحديد موضوع الحكم فقط ، لا أنّ الموضوع ذات الموصوف ، والوصف قيد للحكم عليه ، مثل ما إذا قال القائل : «اصنع شكلا رباعيّا قائم الزوايا ، متساوي الأضلاع» ، فإنّ المفهوم منه أنّ المطلوب صنعه هو المربّع ، فعبّر عنه بهذه القيود الدالّة عليه ، حيث يكون الموضوع هو مجموع المعنى المدلول عليه بالعبارة المؤلّفة من الموصوف والوصف ، وهي في المثال «شكل رباعيّ قائم الزوايا ، متساوي الأضلاع» ، وهي بمنزلة كلمة مربّع ، فكما أنّ جملة «اصنع مربّعا» لا تدلّ على الانتفاء عند الانتفاء ، كذلك ما هو بمنزلتها لا يدلّ عليه ؛ لأنّه في الحقيقة يكون من قبيل الوصف غير المعتمد على الموصوف.

إذا عرفت ذلك ، فنقول : إنّ الظاهر في الوصف ـ لو خلّي وطبعه من دون قرينة ـ أنّه من قبيل الثاني ـ أي إنّه قيد للموضوع لا للحكم ـ ، فيكون الحكم من جهته مطلقا غير مقيّد ، فلا مفهوم للوصف.

ومن هذا التقرير يظهر بطلان ما استدلّوا به لمفهوم الوصف من الأدلّة الآتية :

١. إنّه لو لم يدلّ الوصف على الانتفاء عند الانتفاء لم تبق فائدة فيه.

والجواب : أنّ الفائدة غير منحصرة برجوعه إلى الحكم. وكفى فائدة فيه تحديد موضوع الحكم وتقييده به.

٢. إنّ الأصل في القيود أن تكون احترازيّة.

والجواب : أنّ هذا مسلّم ، ولكن معنى الاحتراز هو تضييق دائرة الموضوع ، وإخراج ما عدا القيد عن شمول شخص الحكم له. ونحن نقول به ، وليس هذا من المفهوم في شيء ؛ لأنّ إثبات الحكم لموضوع لا ينفي ثبوت سنخ الحكم لما عداه ، كما في مفهوم اللقب. والحاصل أنّ كون القيد احترازيّا لا يلزم إرجاعه قيدا للحكم.

٣. إنّ الوصف مشعر بالعلّية ، فيلزم إناطة الحكم به.