درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۰۰: مفاهیم ۱۴

 

الثالث : مفهوم الغاية

إذا ورد التقييد بالغاية نحو ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ (١) ، ونحو : «كلّ شيء لك حلال حتّى تعرف أنّه حرام بعينه» (٢) ، فقد وقع خلاف الاصوليّين فيه من جهتين :

الجهة الأولى : في دخول الغاية في المنطوق ـ أي في حكم المغيّى ـ. فقد اختلفوا في أنّ الغاية ـ وهي الواقعة بعد أداة الغاية نحو «إلى» و «حتّى» ـ هل هي داخلة في المغيّى حكما ، أو خارجة عنه وإنّما ينتهي إليها المغيّى موضوعا وحكما؟ على أقوال :

منها : التفصيل بين كونها من جنس المغيّى فتدخل فيه ، نحو : «صمت النهار إلى الليل» ، وبين كونها من غير جنسه فلا تدخل ، كمثال «كلّ شيء لك حلال ...» (٣).

ومنها : التفصيل بين كون الغاية واقعة بعد «إلى» فلا تدخل فيه ، وبين كونها واقعة بعد «حتّى» فتدخل ، نحو : «كل السمكة حتّى رأسها» (٤).

والظاهر أنّه لا ظهور لنفس التقييد بالغاية في دخولها في المغيّى ، ولا في عدمه ، بل يتّبع ذلك ، الموارد والقرائن الخاصّة الحافّة بالكلام.

نعم ، لا ينبغي الخلاف في عدم دخول الغاية فيما إذا كانت غاية للحكم ، كمثال «كلّ شيء لك حلال ...» ؛ فإنّه لا معنى لدخول معرفة الحرام في حكم الحلال (٥).

__________________

(١) البقرة (٢) الآية : ١٨٧.

(٢) الكافي ٥ : ٣١٣ ؛ وسائل الشيعة ١٢ : ٦٠ ، الباب ٤ من أبواب ما يكتسب به ، الحديث ٤.

(٣) وهذا القول نسبه ابن الحاجب إلى الأندلسيّ. راجع شرح الكافية ٢ : ٣٢٦.

(٤) وهذا هو الظاهر من كلام ابن الحاجب في الكافية ، راجع شرح الكافية ٢ : ٣٢٦. ولا يبعد رجوع هذا التفصيل إلى التفصيل الأوّل ؛ لأنّ من قال بدخول الغاية في المغيّى إذا وقعت بعد «حتّى» قال بكون ما بعد «حتّى» جزءا ممّا قبلها ، بخلاف «إلى» ؛ فإنّها لا تستعمل إلاّ فيما إذا لم يكن ما بعدها جزءا ممّا قبلها ، فلا تدخل الغاية الواقعة بعدها في المغيّى. راجع شرح المفصّل ٧ : ١٦.

وذهب إلى هذا التفصيل أيضا المحقّق العراقيّ في مقالات الأصول ١ : ٤١٥.

(٥) وهذا هو القول بالتفصيل بين ما كان غاية الفعل ، كمثال : «سر من البصرة إلى الكوفة» فيدخل ، وما كان غاية الحكم كقوله عليه‌السلام : «كلّ شيء لك حلال ...» فلا يدخل. وذهب إليه المحقّق الحائريّ في ـ

ثمّ إنّ المقصود من كلمة «حتّى» التي يقع الكلام عنها هي «حتّى» الجارّة ، دون العاطفة ، وإن كانت تدخل على الغاية أيضا ؛ لأنّ العاطفة يجب دخول ما بعدها في حكم ما قبلها ؛ لأنّ هذا هو معنى العطف ، فإذا قلت : «مات الناس حتّى الأنبياء» فإنّ معناه أنّ الأنبياء ماتوا أيضا. بل «حتّى» العاطفة تفيد أنّ الغاية هو الفرد الفائق على سائر أفراد المغيّى في القوّة أو الضعف ، فكيف يتصوّر أن لا يكون المعطوف بها داخلا في الحكم ، بل قد يكون هو الأسبق في الحكم ، نحو : «مات كلّ أب حتّى آدم».

الجهة الثانية : في مفهوم الغاية. وهي موضوع البحث هنا ، فإنّه قد اختلفوا في أنّ التقييد بالغاية ـ مع قطع النظر عن القرائن الخاصّة ـ هل يدلّ على انتفاء سنخ الحكم عمّا وراء الغاية ومن الغاية نفسها أيضا إذا لم تكن داخلة في المغيّى ، أو لا؟

فنقول : إنّ المدرك في دلالة الغاية على المفهوم كالمدرك في الشرط والوصف ، فإذا كانت قيدا للحكم كانت ظاهرة في انتفاء الحكم فيما وراءها ، وأمّا إذا كانت قيدا للموضوع أو المحمول فقط ، فلا دلالة لها على المفهوم (١).

وعليه ، فما علم في التقييد بالغاية أنّه راجع إلى الحكم فلا إشكال في ظهوره في المفهوم ؛ مثل قوله عليه‌السلام : «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه نجس» (٢) وكذلك مثال

__________________

ـ درر الفوائد ١ : ١٧٤.

وذهب الشيخ الأنصاريّ إلى الدخول مطلقا ، فراجع مطارح الأنظار : ١٨٥. وذهب السيّد الإمام الخمينيّ إلى عدم الدخول مطلقا ، فراجع مناهج الوصول ٢ : ٢٢٤.

(١) وهذا ما ذهب إليه المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٢٤٦. واختاره المحقّق النائينيّ وتلميذه المحقّق الخوئيّ ، فراجع فوائد الأصول ٢ : ٥٠٤ ، والمحاضرات ٥ : ١٣٧ ـ ١٤٠.

وذهب المشهور ـ على ما في مطارح الأنظار ـ وأكثر المحقّقين ـ على ما في القوانين والفصول ـ إلى دلالة الغاية على المفهوم مطلقا. فراجع مطارح الأنظار : ١٨٦ ؛ قوانين الأصول ١ : ١٨٦ ؛ الفصول الغرويّة : ١٥٣. ومذهب الشيخ الطوسيّ والسيّد المرتضى عدم دلالتها على المفهوم مطلقا ، فراجع العدّة ٢ : ٤٧٨ ، والذريعة إلى أصول الشريعة ١ : ٤٠٧.

(٢) هذا مفاد الرواية. وإليك نصّها «كلّ شيء نظيف حتّى تعلم أنّه قذر» أو «كلّ شيء طاهر حتّى تعلم أنّه قذر». راجع الوسائل ٢ : ١٠٥٤ ، الباب ٣٧ من أبواب النجاسات ، الحديث ٤ ؛ مستدرك الوسائل ٢ : ٥٨٣ ، الباب ٤ من أبواب النجاسات والأواني ، الحديث ٤.