درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۰۲: مفاهیم ۱۶

 

وقد رجّحنا فيما سبق أنّ الوصف لا مفهوم له ، فإذا قال المقرّ مثلا : «في ذمّتي عشرة دراهم إلاّ درهم» بجعل «إلاّ درهم» وصفا ، فإنّه يثبت في ذمّته تمام العشرة الموصوفة بأنّها ليست بدرهم. ولا يصحّ أن تكون استثنائية ؛ لعدم نصب درهم. ولا مفهوم لها حينئذ ، فلا تدلّ على عدم ثبوت شيء آخر في ذمّته لزيد.

وأمّا «إلاّ» الاستثنائيّة : فلا ينبغي الشكّ في دلالتها على المفهوم ، وهو انتفاء حكم المستثنى منه عن المستثنى ؛ لأنّ «إلاّ» موضوعة للإخراج وهو الاستثناء ، ولازم هذا الإخراج باللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ أن يكون المستثنى محكوما بنقيض حكم المستثنى منه. ولمّا كان هذا اللزوم بيّنا ، ظنّ بعضهم (١) أنّ هذا المفهوم من باب المنطوق.

وأمّا أداة الحصر بعد النفي نحو : «لا صلاة إلاّ بطهور» : فهي في الحقيقة من نوع الاستثنائيّة.

فرع : لو شككنا في مورد أنّ كلمة «إلاّ» استثنائيّة أو وصفيّة ، مثل ما لو قال المقرّ : «ليس في ذمّتي لزيد عشرة دراهم إلاّ درهم» ؛ إذ يجوز في المثال أن تكون «إلاّ» وصفيّة ، ويجوز أن تكون استثنائيّة ، فإنّ الأصل في كلمة «إلاّ» أن تكون للاستثناء ؛ فيثبت في ذمّته في المثال درهم واحد. أمّا لو كانت وصفيّة فإنّه لا يثبت في ذمّته شيء ، لأنّه يكون قد نفى العشرة الدراهم كلّها الموصوفة تلك الدراهم بأنّها ليست بدرهم.

٢. «إنّما» وهي أداة حصر مثل كلمة «إلاّ» ، فإذا استعملت في حصر الحكم في موضوع معيّن دلّت بالملازمة البيّنة على انتفائه عن غير ذلك الموضوع ، وهذا واضح.

٣. «بل» وهي للإضراب ، وتستعمل في وجوه ثلاثة :

الأوّل : للدلالة على أنّ المضرب عنه وقع عن غفلة أو على نحو الغلط ، ولا دلالة لها حينئذ على الحصر ، وهو واضح.

والثاني : للدلالة على تأكيد المضرب عنه وتقريره ، نحو : «زيد عالم بل شاعر» ، ولا دلالة لها أيضا حينئذ على الحصر.

__________________

(١) وهو المحقّق الخراسانيّ في كفاية الأصول : ٢٤٨ ـ ٢٤٩.

الثالث : للدلالة على الردع وإبطال ما ثبت أوّلا ، نحو : ﴿أَمْ يَقُولُونَ بِهِ جِنَّةٌ بَلْ جاءَهُمْ بِالْحَقِ﴾ (١). فتدلّ على الحصر ، فيكون لها مفهوم ، وهذه الآية الكريمة تدلّ على انتفاء مجيئه بغير الحقّ.

٤. وهناك هيئات غير الأدوات تدلّ على الحصر ، مثل تقدّم المفعول ، نحو : ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ (٢). ومثل تعريف المسند إليه بلام الجنس مع تقديمه ، نحو : «العالم محمّد» ، و «إنّ القول ما قالت حذام». ونحو ذلك ممّا هو مفصّل في علم البلاغة (٣).

فإنّ هذه الهيئات ظاهرة في الحصر ، فإذا استفيد منها الحصر فلا ينبغي الشكّ في ظهورها في المفهوم ؛ لأنّه لازم للحصر لزوما بيّنا. وتفصيل الكلام فيها لا يسعه هذا المختصر.

وعلى كلّ حال ، فإنّ كلّ ما يدلّ على الحصر فهو دالّ على المفهوم بالملازمة البيّنة.

تمرينات (١٨)

١. ما معنى الحصر؟ وما المراد منه في مفهوم الحصر؟

٢. ما هي أقسام «إلاّ»؟ وأيّها يدلّ على المفهوم؟

٣. ما مقتضى الأصل فيما إذا شككنا في مورد أنّ كلمة «إلاّ» استثنائيّة أو وصفيّة؟

٤. هل كلمة «إنّما» تدلّ على الحصر؟

٥. ما هي أقسام «بل»؟ وأيّها يدلّ على المفهوم؟

__________________

(١) المؤمنون (٢٣) الآية : ٧٠.

(٢) الفاتحة (١) الآية : ٥.

(٣) راجع كتاب المطوّل : ١٦٦ ـ ١٦٩.

الخامس : مفهوم العدد

لا شكّ في أنّ تحديد الموضوع بعدد خاصّ لا يدلّ على انتفاء الحكم فيما عداه ، فإذا قيل : «صم ثلاثة أيّام من كلّ شهر» ؛ فإنّه لا يدلّ على عدم استحباب صوم غير الثلاثة الأيّام ، فلا يعارض الدليل على استحباب صوم أيّام أخر.

نعم ، لو كان الحكم للوجوب ـ مثلا ـ وكان التحديد بالعدد من جهة الزيادة لبيان الحدّ الأعلى ، فلا شبهة في دلالته على عدم وجوب الزيادة ، كدليل صوم ثلاثين يوما من شهر رمضان ، ولكن هذه الدلالة من جهة خصوصيّة المورد ، لا من جهة أصل التحديد بالعدد ، حتّى يكون لنفس العدد مفهوم.

فالحقّ أنّ التحديد بالعدد لا مفهوم له.

السادس : مفهوم اللقب

المقصود باللقب كلّ اسم ـ سواء كان مشتقّا أم جامدا ـ وقع موضوعا للحكم ، كالفقير في قولهم : «أطعم الفقير» ، وكالسّارق والسّارقة في قوله (تعالى) : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ (١).

ومعنى مفهوم اللقب نفي الحكم عمّا لا يتناوله عموم الاسم.

وبعد أن استشكلنا في دلالة الوصف على المفهوم ، فعدم دلالة اللقب أولى ، فإنّ نفس موضوع الحكم بعنوانه لا يشعر بتعليق الحكم عليه ، فضلا عن أن يكون له ظهور في الانحصار.

نعم ، غاية ما يفهم من اللقب عدم تناول شخص الحكم لغير ما يشمله عموم الاسم ، وهذا لا كلام فيه ، أمّا عدم ثبوت نوع الحكم لموضوع آخر فلا دلالة له عليه أصلا.

وقد قيل : «إنّ مفهوم اللقب أضعف المفهومات» (٢).

__________________

(١) المائدة (٥) الآية : ٣٨.

(٢) لم أعثر على قائله. نعم ، نسب القول بدلالته على المفهوم إلى الدقّاق والصيرفيّ وبعض الحنابلة. راجع مطارح الأنظار : ١٩١ ، وقوانين الأصول ١ : ١٩١.