درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۰۳: مفاهیم ۱۷

 

الخامس : مفهوم العدد

لا شكّ في أنّ تحديد الموضوع بعدد خاصّ لا يدلّ على انتفاء الحكم فيما عداه ، فإذا قيل : «صم ثلاثة أيّام من كلّ شهر» ؛ فإنّه لا يدلّ على عدم استحباب صوم غير الثلاثة الأيّام ، فلا يعارض الدليل على استحباب صوم أيّام أخر.

نعم ، لو كان الحكم للوجوب ـ مثلا ـ وكان التحديد بالعدد من جهة الزيادة لبيان الحدّ الأعلى ، فلا شبهة في دلالته على عدم وجوب الزيادة ، كدليل صوم ثلاثين يوما من شهر رمضان ، ولكن هذه الدلالة من جهة خصوصيّة المورد ، لا من جهة أصل التحديد بالعدد ، حتّى يكون لنفس العدد مفهوم.

فالحقّ أنّ التحديد بالعدد لا مفهوم له.

السادس : مفهوم اللقب

المقصود باللقب كلّ اسم ـ سواء كان مشتقّا أم جامدا ـ وقع موضوعا للحكم ، كالفقير في قولهم : «أطعم الفقير» ، وكالسّارق والسّارقة في قوله (تعالى) : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ (١).

ومعنى مفهوم اللقب نفي الحكم عمّا لا يتناوله عموم الاسم.

وبعد أن استشكلنا في دلالة الوصف على المفهوم ، فعدم دلالة اللقب أولى ، فإنّ نفس موضوع الحكم بعنوانه لا يشعر بتعليق الحكم عليه ، فضلا عن أن يكون له ظهور في الانحصار.

نعم ، غاية ما يفهم من اللقب عدم تناول شخص الحكم لغير ما يشمله عموم الاسم ، وهذا لا كلام فيه ، أمّا عدم ثبوت نوع الحكم لموضوع آخر فلا دلالة له عليه أصلا.

وقد قيل : «إنّ مفهوم اللقب أضعف المفهومات» (٢).

__________________

(١) المائدة (٥) الآية : ٣٨.

(٢) لم أعثر على قائله. نعم ، نسب القول بدلالته على المفهوم إلى الدقّاق والصيرفيّ وبعض الحنابلة. راجع مطارح الأنظار : ١٩١ ، وقوانين الأصول ١ : ١٩١.

تمرينات (١٩)

١. ما هو مفهوم العدد؟

٢. هل للعدد مفهوم؟

٣. ما المراد من «اللقب» في مفهوم اللقب؟

٤. ما معنى مفهوم اللقب؟

٥. هل اللقب يدلّ على المفهوم؟

خاتمة : في دلالة الاقتضاء والتنبيه والإشارة

تمهيد

يجري كثيرا على لسان الفقهاء والأصوليّين ذكر دلالة الاقتضاء والتنبيه والإشارة ، ولم تشرح هذه الدلالات في أكثر الكتب الأصوليّة المتعارفة. ولذلك رأينا أن نبحث عنها بشيء من التفصيل لفائدة المبتدئين. والبحث عنها يقع من جهتين : الأولى : في مواقع هذه الدلالات الثلاث وأنّها من أيّ أقسام الدلالات. والثانية : في حجّيتها.

الجهة الأولى : مواقع الدلالات الثلاث :

قد تقدّم أنّ المفهوم هو مدلول الجملة التركيبيّة اللازمة للمنطوق لزوما بيّنا بالمعنى الأخصّ. ويقابله المنطوق الذي هو مدلول ذات اللفظ بالدلالة المطابقيّة.

ولكن يبقى هناك من المدلولات ما لا يدخل في المفهوم ولا في المنطوق اصطلاحا ، كما إذا دلّ الكلام بالدلالة الالتزاميّة (١) على لفظ مفرد أو معنى مفرد ليس مذكورا في المنطوق صريحا ، أو إذا دلّ الكلام على مفاد جملة لازمة للمنطوق ، إلاّ أنّ اللزوم ليس على نحو اللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ ؛ فإنّ هذه كلّها لا تسمّى مفهوما ولا منطوقا ، إذن ما ذا تسمّى هذه الدلالة في هذه المقامات؟

نقول : الأنسب أن نسمّي مثل هذه الدلالة ـ على وجه العموم ـ «الدلالة السياقيّة» ، كما ربّما يجري هذا التعبير في لسان جملة من الأساطين لتكون في مقابل الدلالة المفهوميّة والمنطوقيّة.

والمقصود بها ـ على هذا ـ أنّ سياق الكلام يدلّ على المعنى المفرد أو المركّب أو اللفظ المقدّر. وقسّموها إلى الدلالات الثلاث المذكورة : الاقتضاء ، والتنبيه ، والإشارة ، فلنبحث

__________________

(١) المقصود من الدلالة الالتزاميّة ، ما يعمّ الدلالة التضمّنية باصطلاح المناطقة باعتبار رجوع الدلالة التضمّنية إلى الالتزامية ؛ لأنّها لا تتمّ إلاّ حيث يكون معنى الجزء لازما للكلّ فتكون الدلالة من ناحية الملازمة بينهما ـ منه رحمه‌الله ـ.

عنها واحدة واحدة.

١. دلالة الاقتضاء

وهي أن تكون الدلالة مقصودة للمتكلّم بحسب العرف ، ويتوقّف صدق الكلام أو صحّته عقلا ، أو شرعا ، أو لغة ، أو عادة عليها.

مثالها قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» (١) ، فإنّ صدق الكلام يتوقّف على تقدير الأحكام والآثار الشرعيّة لتكون هي المنفيّة حقيقة ؛ لوجود الضرر والضرار قطعا عند المسلمين ، فيكون النفي للضرر باعتبار نفي آثاره الشرعيّة وأحكامه. ومثله «رفع عن أمّتي ما لا يعلمون وما اضطرّوا إليه ...» (٢).

مثال آخر ، قوله عليه‌السلام : «لا صلاة لمن جاره المسجد إلاّ في المسجد» (٣) ؛ فإنّ صدق الكلام وصحّته تتوقّف على تقدير كلمة «كاملة» محذوفة ليكون المنفيّ كمال الصلاة ، لا أصل الصلاة.

مثال ثالث قوله (تعالى) : ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤) ، فإنّ صحّته عقلا تتوقّف على تقدير لفظ «أهل» ، فيكون من باب حذف المضاف ، أو على تقدير معنى «أهل» ، فيكون من باب المجاز في الإسناد.

مثال رابع قولهم : «أعتق عبدك عنّي على ألف» ، فإنّ صحّة هذا الكلام شرعا تتوقّف على طلب تمليكه أوّلا له بألف ؛ لأنّه لا عتق إلاّ في ملك ، فيكون التقدير «ملّكني العبد

__________________

(١) لم أجد في الروايات المعتبرة كلمة «في الإسلام» ذيل حديث لا ضرر ، بل الموجود فيها : «لا ضرر ولا ضرار». راجع الوسائل ١٧ : ٣٤١ ، الباب ١٢ من أبواب إحياء الموات ، الحديث ٣ ؛ والباب ٧ منها ، الحديث ٢ ؛ مستدرك الوسائل ١٧ : ١١٨ ، الباب ٩ من كتاب إحياء الموات ، الحديث ١ و ٢.

(٢) هذا مفاد حديث الرفع وإن شئت متن الحديث الشريف فراجع : الوسائل ١٦ : ١٧٣ ، الباب ٢٦ من كتاب الأيمان ، الحديث ٣ ـ ٦ ؛ الكافي ٢ : ٤٦٣ ؛ الفقيه ١ : ٤٨ ؛ الخصال ٢ : ٤١٧ : المحاسن : ٣٣٩ ؛ دعائم الإسلام ٢ : ٩٥.

(٣) هذا أيضا مفاد الأحاديث الواردة في باب كراهة تأخّر جيران المسجد عنه ، الوسائل ٣ : ٤٧٨ ، الباب ٢ من أبواب أحكام المسجد.

(٤) يوسف (١٢) الآية : ٨٢.