درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۰۴: مفاهیم ۱۸

 

عنها واحدة واحدة.

١. دلالة الاقتضاء

وهي أن تكون الدلالة مقصودة للمتكلّم بحسب العرف ، ويتوقّف صدق الكلام أو صحّته عقلا ، أو شرعا ، أو لغة ، أو عادة عليها.

مثالها قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» (١) ، فإنّ صدق الكلام يتوقّف على تقدير الأحكام والآثار الشرعيّة لتكون هي المنفيّة حقيقة ؛ لوجود الضرر والضرار قطعا عند المسلمين ، فيكون النفي للضرر باعتبار نفي آثاره الشرعيّة وأحكامه. ومثله «رفع عن أمّتي ما لا يعلمون وما اضطرّوا إليه ...» (٢).

مثال آخر ، قوله عليه‌السلام : «لا صلاة لمن جاره المسجد إلاّ في المسجد» (٣) ؛ فإنّ صدق الكلام وصحّته تتوقّف على تقدير كلمة «كاملة» محذوفة ليكون المنفيّ كمال الصلاة ، لا أصل الصلاة.

مثال ثالث قوله (تعالى) : ﴿وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ﴾ (٤) ، فإنّ صحّته عقلا تتوقّف على تقدير لفظ «أهل» ، فيكون من باب حذف المضاف ، أو على تقدير معنى «أهل» ، فيكون من باب المجاز في الإسناد.

مثال رابع قولهم : «أعتق عبدك عنّي على ألف» ، فإنّ صحّة هذا الكلام شرعا تتوقّف على طلب تمليكه أوّلا له بألف ؛ لأنّه لا عتق إلاّ في ملك ، فيكون التقدير «ملّكني العبد

__________________

(١) لم أجد في الروايات المعتبرة كلمة «في الإسلام» ذيل حديث لا ضرر ، بل الموجود فيها : «لا ضرر ولا ضرار». راجع الوسائل ١٧ : ٣٤١ ، الباب ١٢ من أبواب إحياء الموات ، الحديث ٣ ؛ والباب ٧ منها ، الحديث ٢ ؛ مستدرك الوسائل ١٧ : ١١٨ ، الباب ٩ من كتاب إحياء الموات ، الحديث ١ و ٢.

(٢) هذا مفاد حديث الرفع وإن شئت متن الحديث الشريف فراجع : الوسائل ١٦ : ١٧٣ ، الباب ٢٦ من كتاب الأيمان ، الحديث ٣ ـ ٦ ؛ الكافي ٢ : ٤٦٣ ؛ الفقيه ١ : ٤٨ ؛ الخصال ٢ : ٤١٧ : المحاسن : ٣٣٩ ؛ دعائم الإسلام ٢ : ٩٥.

(٣) هذا أيضا مفاد الأحاديث الواردة في باب كراهة تأخّر جيران المسجد عنه ، الوسائل ٣ : ٤٧٨ ، الباب ٢ من أبواب أحكام المسجد.

(٤) يوسف (١٢) الآية : ٨٢.

بألف ثمّ أعتقه عنّي».

مثال خامس قول الشاعر :

نحن بما عندنا وأنت بما

عندك راض والرأي مختلف

؛ فإنّ صحّته لغة تتوقّف على تقدير «راضون» خبرا للمبتدا «نحن» ؛ لأنّ «راض» مفرد لا يصحّ أن يكون خبرا لنحن.

[مثال سادس ، قولهم : «رأيت أسدا في الحمّام» ، فإنّ صحّته عادة تتوقّف على إرادة الرجل الشجاع من لفظ «أسد»] (١).

وجميع الدلالات الالتزاميّة على المعاني المفردة ، وجميع المجازات في الكلمة أو في الإسناد ترجع إلى «دلالة الاقتضاء».

فإن قال قائل : إنّ دلالة اللفظ على معناه المجازيّ من الدلالة المطابقيّة ، فكيف جعلتم المجاز من نوع دلالة الاقتضاء؟!

نقول له : هذا صحيح ، ومقصودنا من كون الدلالة على المعنى المجازيّ من نوع دلالة الاقتضاء هو دلالة نفس القرينة المحفوف بها الكلام على إرادة المعنى المجازيّ من اللفظ ، لا دلالة نفس اللفظ عليه بتوسّط القرينة.

والخلاصة أنّ المناط في دلالة الاقتضاء شيئان : الأوّل : أن تكون الدلالة مقصودة. والثاني : أن يكون الكلام لا يصدق أو لا يصحّ بدونها. ولا يفرق فيها بين أن يكون لفظا مضمرا أو معنى مرادا ، حقيقيّا أو مجازيّا.

٢. دلالة التنبيه

وتسمّى «دلالة الإيماء» أيضا ، وهي كالأولى في اشتراط القصد عرفا ، ولكن من غير أن يتوقّف صدق الكلام أو صحّته عليها ، وإنّما سياق الكلام ما يقطع معه بإرادة ذلك اللازم أو يستبعد عدم إرادته. وبهذا تفترق عن دلالة الاقتضاء ؛ لأنّها ـ كما تقدّم ـ يتوقّف صدق الكلام أو صحّته عليها.

__________________

(١) ما بين المعقوفين موجود في «س».