درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۱۱: عام و خاص ۵

 

وقيل : بالعكس (١).

والحقّ عندنا هو القول الثاني ، أيّ إنّه حقيقة مطلقا.

الدليل : أنّ منشأ توهّم القول بالمجاز أنّ أداة العموم لمّا كانت موضوعة للدلالة على سعة مدخولها وعمومه لجميع أفراده ، فلو أريد منه بعضه فقد استعملت في غير ما وضعت له ، فيكون الاستعمال مجازا. وهذا التوهّم يدفع بأدنى تأمّل ؛ لأنّه في التخصيص بالمتّصل كقولك مثلا : «أكرم كلّ عالم إلاّ الفاسقين» لم تستعمل أداة العموم إلاّ في معناها ، وهو الشمول لجميع أفراد مدخولها ، غاية الأمر أنّ مدخولها تارة يدلّ عليه لفظ واحد مثل : «أكرم كلّ عادل» ، وأخرى يدلّ عليه أكثر من لفظ واحد في صورة التخصيص ، فيكون التخصيص معناه أنّ مدخول «كلّ» ليس ما يصدق عليه لفظ عالم ـ مثلا ـ ، بل هو خصوص العالم العادل في المثال. وأمّا «كلّ» فهي باقية على ما لها من الدلالة على العموم والشمول ؛ لأنّها تدلّ حينئذ على الشمول لكلّ عادل من العلماء ، ولذا لا يصحّ أن يوضع مكانها كلمة «بعض» ، فلا يستقيم المعنى لو قلت : «أكرم بعض العلماء إلاّ الفاسقين» ، وإلاّ لما صحّ الاستثناء. كما لا يستقيم لو قلت : «أكرم بعض العلماء العدول» ؛ فإنّه لا يدلّ على تحديد الموضوع كما لو كانت «كلّ» والاستثناء موجودين.

والحاصل أنّ لفظة «كلّ» وسائر أدوات العموم في مورد التخصيص لم تستعمل إلاّ في معناها ، وهو الشمول.

ولا معنى للقول بأنّ المجاز في نفس مدخولها ؛ لأنّ مدخولها مثل كلمة «عالم» موضوع لنفس الطبيعة من حيث هي ، لا الطبيعة بجميع أفرادها أو بعضها. وإرادة الجميع أو البعض إنّما يكون من دلالة لفظة أخرى كـ «كلّ» ، أو «بعض» ، فإذا قيّد مدخولها وأريد منه المقيّد بالعدالة في المثال المتقدّم لم يكن مستعملا إلاّ في معناه ، وهو من له العلم ، وتكون إرادة ما عدا الفاسق من العلماء من دلالة مجموع القيد والمقيّد من باب تعدّد الدالّ والمدلول. وسيجىء ـ إن شاء الله تعالى ـ أنّ تقييد المطلق لا يوجب مجازا.

__________________

(١) لم يذكر له قائل.

وحكى الآمدي خمسة مذاهب أخر. فراجع الإحكام ٢ : ٣٣١.

هذا الكلام كلّه عن المخصّص بالمتّصل. وكذلك الكلام عن المخصّص بالمنفصل ؛ لأنّا قلنا : إنّ التخصيص بالمنفصل معناه جعل الخاصّ قرينة منفصلة على تقييد مدخول «كلّ» بما عدا الخاصّ ، فلا تصرّف في أداة العموم ، ولا في مدخولها ، ويكون أيضا من باب تعدّد الدالّ والمدلول. ولو فرض أنّ المخصّص المنفصل ليس مقيّدا لمدخول أداة العموم ، بل هو تخصيص للعموم نفسه فانّ هذا لا يلزم منه أن يكون المستعمل فيه في العامّ هو البعض ، حتى يكون مجازا ، بل إنّما يكشف الخاصّ عن المراد الجدىّ من العامّ. (١)

٤. حجيّة العامّ المخصّص في الباقي

إذا شككنا في شمول العامّ المخصّص لبعض أفراد الباقي من العامّ بعد التخصيص ، فهل العامّ حجّة في هذا البعض فيتمسّك بظاهر العموم لإدخاله في حكم العامّ؟ على أقوال ؛ مثلا اذا قال المولى : «كلّ ماء طاهر» ، ثمّ استثنى من العموم بدليل متّصل أو منفصل الماء المتغيّر بالنجاسة ونحن احتملنا استثناء الماء القليل الملاقي للنجاسة بدون تغيّر ، فإذا قلنا بأنّ العامّ المخصّص حجّة في الباقي نطرد هذا الاحتمال بظاهر عموم العامّ في جميع الباقي ، فنحكم بطهارة الماء الملاقي غير المتغيّر (٢). واذا لم نقل بحجّيّته في الباقي يبقى هذا الاحتمال معلّقا لا دليل عليه من العامّ ، فنلتمس له دليلا آخر يقول بطهارته أو نجاسته.

والأقوال في المسألة كثيرة :

منها : التفصيل بين المخصّص بالمتّصل ، فيكون حجّة في الباقى ، وبين المخصّص بالمنفصل ، فلا يكون حجّة (٣).

__________________

(١) هذا الدليل ذكره المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٢ : ٥١٧.

(٢) قوله : «غير المتغيّر» صفة لقوله : «الماء» ، أي نحكم بطهارة الماء الذي لاقى النجاسة ولم يتغيّر أحد أوصافه.

(٣) وهذا منسوب إلى بعض العامّة كالبلخي. راجع مطارح الأنظار : ١٩٢ ، الإحكام (الآمدي) ٢ : ٣٣٨ ؛ اللمع : ١٠٧.