درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۱۲: عام و خاص ۶

 

هذا الكلام كلّه عن المخصّص بالمتّصل. وكذلك الكلام عن المخصّص بالمنفصل ؛ لأنّا قلنا : إنّ التخصيص بالمنفصل معناه جعل الخاصّ قرينة منفصلة على تقييد مدخول «كلّ» بما عدا الخاصّ ، فلا تصرّف في أداة العموم ، ولا في مدخولها ، ويكون أيضا من باب تعدّد الدالّ والمدلول. ولو فرض أنّ المخصّص المنفصل ليس مقيّدا لمدخول أداة العموم ، بل هو تخصيص للعموم نفسه فانّ هذا لا يلزم منه أن يكون المستعمل فيه في العامّ هو البعض ، حتى يكون مجازا ، بل إنّما يكشف الخاصّ عن المراد الجدىّ من العامّ. (١)

٤. حجيّة العامّ المخصّص في الباقي

إذا شككنا في شمول العامّ المخصّص لبعض أفراد الباقي من العامّ بعد التخصيص ، فهل العامّ حجّة في هذا البعض فيتمسّك بظاهر العموم لإدخاله في حكم العامّ؟ على أقوال ؛ مثلا اذا قال المولى : «كلّ ماء طاهر» ، ثمّ استثنى من العموم بدليل متّصل أو منفصل الماء المتغيّر بالنجاسة ونحن احتملنا استثناء الماء القليل الملاقي للنجاسة بدون تغيّر ، فإذا قلنا بأنّ العامّ المخصّص حجّة في الباقي نطرد هذا الاحتمال بظاهر عموم العامّ في جميع الباقي ، فنحكم بطهارة الماء الملاقي غير المتغيّر (٢). واذا لم نقل بحجّيّته في الباقي يبقى هذا الاحتمال معلّقا لا دليل عليه من العامّ ، فنلتمس له دليلا آخر يقول بطهارته أو نجاسته.

والأقوال في المسألة كثيرة :

منها : التفصيل بين المخصّص بالمتّصل ، فيكون حجّة في الباقى ، وبين المخصّص بالمنفصل ، فلا يكون حجّة (٣).

__________________

(١) هذا الدليل ذكره المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٢ : ٥١٧.

(٢) قوله : «غير المتغيّر» صفة لقوله : «الماء» ، أي نحكم بطهارة الماء الذي لاقى النجاسة ولم يتغيّر أحد أوصافه.

(٣) وهذا منسوب إلى بعض العامّة كالبلخي. راجع مطارح الأنظار : ١٩٢ ، الإحكام (الآمدي) ٢ : ٣٣٨ ؛ اللمع : ١٠٧.

وقيل بالعكس. (١)

والحقّ في المسألة هو الحجّيّة مطلقا ؛ لأنّ اساس النزاع ناشئ من النزاع في المسألة السابقة ، وهي أنّ العامّ المخصّص مجاز في الباقي أم لا؟

ومن قال بالمجاز يستشكل في ظهور العامّ وحجّيّته في جميع الباقي من جهة أنّ المفروض أنّ استعمال العامّ في تمام الباقى مجاز واستعماله في بعض الباقي مجاز آخر أيضا ، فيقع النزاع في أنّ المجاز الأوّل أقرب إلى الحقيقة ، فيكون العامّ ظاهرا فيه ، أو أنّ المجازين متساويان فلا ظهور في أحدهما. فإذا كان المجاز الأوّل هو الظاهر كان العامّ حجّة في تمام الباقي ، وإلاّ فلا يكون حجّة.

أمّا نحن الذين نقول بأن العامّ المخصّص حقيقة [في الباقي] ـ كما تقدّم ـ ، ففي راحة من هذا النزاع ؛ لأنّا قلنا : إنّ أداة العموم باقية على ما لها من معنى الشمول لجميع أفراد مدخولها ، فإذا خرج من مدخولها بعض الأفراد بالتخصيص بالمتّصل أو المنفصل فلا تزال دلالتها على العموم باقية على حالها ، وإنّما مدخولها تتضيّق دائرته بالتخصيص.

فحكم العامّ المخصّص حكم العامّ غير المخصّص في ظهوره في الشمول لكلّ ما يمكن أن يدخل فيه.

وعلى أيّ حال ، بعد القول بأنّ العامّ المخصّص حقيقة في الباقي ـ على ما بيّنّاه ـ لا يبقى شك في حجّيّته في الباقي. وإنّما يقع الشكّ على تقدير القول بالمجازيّة ، فقد نقول إنّه حجّة في الباقي على هذا التقدير ، وقد لا نقول. لا أنّه كلّ من يقول بالمجازيّة يقول بعدم الحجّيّة ، كما توهّم ذلك بعضهم (٢).

__________________

(١) لم يذكر له قائل. وحكي الشوكاني والآمدي خمسة مذاهب أخر ، فراجع إرشاد الفحول : ١٣٨ ، والإحكام ٢ : ٢٣٨ ـ ٢٣٩.

(٢) وهو المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٢ : ٥١٦ و ٥٢٣.