درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۱۳: عام و خاص ۷

 

٥. هل يسري إجمال المخصّص إلى العامّ؟

كان البحث السابق ـ وهو «حجّية العامّ في الباقي» ـ في فرض أنّ الخاصّ مبيّن لا إجمال فيه ، وإنّما الشكّ في تخصيص غيره ممّا علم خروجه من الخاصّ.

وعلينا الآن أن نبحث عن حجّيّة العامّ في فرض إجمال الخاصّ. والإجمال على نحوين :

١. «الشبهة المفهوميّة» : وهي في فرض الشكّ في نفس مفهوم الخاصّ بأن كان مجملا ، نحو قوله عليه‌السلام : «كلّ ماء طاهر إلاّ ما تغيّر طعمه أو لونه أو ريحه» (١) الذي يشكّ فيه أنّ المراد من التغيّر خصوص التغيّر الحسّيّ ، أو ما يشمل التغيّر التقديريّ. ونحو قولنا : «أحسن الظنّ إلاّ بخالد» الذي يشكّ فيه أنّ المراد من خالد هو خالد بن بكر أو خالد بن سعد ، مثلا.

٢. «الشبهة المصداقيّة» : وهي في فرض الشكّ في دخول فرد من أفراد العامّ في الخاصّ مع وضوح مفهوم الخاصّ ، بأن كان مبيّنا لا إجمال فيه ، كما إذا شكّ في مثال الماء السابق أنّ ماء معيّنا أتغيّر بالنجاسة فدخل في حكم الخاصّ أم لم يتغيّر فهو لا يزال باقيا على طهارته؟

والكلام في الشبهتين يختلف اختلافا بيّنا. فلنفرد لكلّ منهما بحثا مستقلاّ.

أ) الشبهة المفهوميّة

الدوران في الشبهة المفهوميّة تارة يكون بين الأقلّ والأكثر ، كالمثال الأوّل ، فإنّ الأمر دائر فيه بين تخصيص خصوص التغيّر الحسّيّ أو يعمّ التقديريّ ، فالأقلّ هو التغيّر الحسّيّ ، وهو المتيقّن ، والأكثر هو الأعمّ منه ومن التقديريّ. وأخرى ، يكون بين المتباينين ، كالمثال الثاني ، فإنّ الأمر دائر فيه بين تخصيص خالد بن بكر وبين خالد بن سعد ، ولا قدر متيقّن في البين.

__________________

(١) هذا مفاد الأحاديث الواردة في باب نجاسة الماء بتغيّر أحد أوصافه. راجع الوسائل ١ : ١٠٢ ـ ١٠٧ ، الباب ٣ و ٥ من أبواب الماء المطلق.

ثمّ على كلّ من التقديرين ، إمّا أن يكون المخصّص متّصلا أو منفصلا. والحكم في المقام يختلف باختلاف هذه الأقسام الأربعة في الجملة ، فلنذكرها بالتفصيل :

١ ، ٢. فيما إذا كان المخصّص متّصلا ، سواء كان الدوران فيه بين الأقلّ والأكثر أو بين المتباينين ؛ فإنّ الحقّ فيه أنّ إجمال المخصّص يسري إلى العامّ ، أي إنّه لا يمكن التمسّك بأصالة العموم لإدخال المشكوك في حكم العامّ.

وهو واضح على ما ذكرناه سابقا من أنّ المخصّص المتّصل من نوع قرينة الكلام المتّصلة ، فلا ينعقد للعامّ ظهور إلاّ فيما عدا الخاصّ ، فإذا كان الخاصّ مجملا سرى إجماله إلى العامّ ؛ لأنّ ما عدا الخاصّ غير معلوم ، فلا ينعقد للعامّ ظهور فيها لم يعلم خروجه عن عنوان الخاصّ.

٣. في الدوران بين الأقلّ والأكثر إذا كان المخصّص منفصلا ، فإنّ الحقّ فيه أنّ إجمال الخاصّ لا يسري إلى العامّ ، أي إنّه يصحّ التمسّك بأصالة العموم لإدخال ما عدا الأقلّ في حكم العامّ.

والحجّة فيه واضحة بناء على ما تقدّم في الفصل الثاني (١) من أنّ العامّ المخصّص بالمنفصل ينعقد له ظهور في العموم ، وإذا كان يقدّم عليه الخاصّ فمن باب تقديم أقوى الحجّتين ؛ فإذا كان الخاصّ مجملا في الزائد على القدر المتيقّن منه ، فلا يكون حجّة في الزائد ؛ لأنّه ـ حسب الفرض ـ مجمل لا ظهور له فيه ، وإنّما تنحصر حجّيّته في القدر المتيقّن وهو الأقل.

فكيف يزاحم العامّ المنعقد ظهوره في الشمول لجميع أفراده التي منها القدر المتيقّن من الخاصّ ومنها القدر الزائد عليه المشكوك دخوله في الخاصّ ؛ فإذا خرج القدر المتيقّن بحجّة أقوى من العامّ يبقى القدر الزائد لا مزاحم لحجّيّة العامّ وظهوره فيه.

٤. في الدوران بين المتباينين إذا كان المخصّص منفصلا ، فإنّ الحقّ فيه أنّ إجمال الخاصّ يسري إلى العامّ ، كالمخصّص المتّصل ؛ لأنّ المفروض حصول العلم الإجماليّ بالتخصيص واقعا ، وإن تردّد بين شيئين ، فيسقط العموم عن الحجّيّة في كلّ واحد منهما.

__________________

(١) راجع الصفحة : ١٥٥ ـ ١٥٦.