درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۱۴: عام و خاص ۸

 

ثمّ على كلّ من التقديرين ، إمّا أن يكون المخصّص متّصلا أو منفصلا. والحكم في المقام يختلف باختلاف هذه الأقسام الأربعة في الجملة ، فلنذكرها بالتفصيل :

١ ، ٢. فيما إذا كان المخصّص متّصلا ، سواء كان الدوران فيه بين الأقلّ والأكثر أو بين المتباينين ؛ فإنّ الحقّ فيه أنّ إجمال المخصّص يسري إلى العامّ ، أي إنّه لا يمكن التمسّك بأصالة العموم لإدخال المشكوك في حكم العامّ.

وهو واضح على ما ذكرناه سابقا من أنّ المخصّص المتّصل من نوع قرينة الكلام المتّصلة ، فلا ينعقد للعامّ ظهور إلاّ فيما عدا الخاصّ ، فإذا كان الخاصّ مجملا سرى إجماله إلى العامّ ؛ لأنّ ما عدا الخاصّ غير معلوم ، فلا ينعقد للعامّ ظهور فيها لم يعلم خروجه عن عنوان الخاصّ.

٣. في الدوران بين الأقلّ والأكثر إذا كان المخصّص منفصلا ، فإنّ الحقّ فيه أنّ إجمال الخاصّ لا يسري إلى العامّ ، أي إنّه يصحّ التمسّك بأصالة العموم لإدخال ما عدا الأقلّ في حكم العامّ.

والحجّة فيه واضحة بناء على ما تقدّم في الفصل الثاني (١) من أنّ العامّ المخصّص بالمنفصل ينعقد له ظهور في العموم ، وإذا كان يقدّم عليه الخاصّ فمن باب تقديم أقوى الحجّتين ؛ فإذا كان الخاصّ مجملا في الزائد على القدر المتيقّن منه ، فلا يكون حجّة في الزائد ؛ لأنّه ـ حسب الفرض ـ مجمل لا ظهور له فيه ، وإنّما تنحصر حجّيّته في القدر المتيقّن وهو الأقل.

فكيف يزاحم العامّ المنعقد ظهوره في الشمول لجميع أفراده التي منها القدر المتيقّن من الخاصّ ومنها القدر الزائد عليه المشكوك دخوله في الخاصّ ؛ فإذا خرج القدر المتيقّن بحجّة أقوى من العامّ يبقى القدر الزائد لا مزاحم لحجّيّة العامّ وظهوره فيه.

٤. في الدوران بين المتباينين إذا كان المخصّص منفصلا ، فإنّ الحقّ فيه أنّ إجمال الخاصّ يسري إلى العامّ ، كالمخصّص المتّصل ؛ لأنّ المفروض حصول العلم الإجماليّ بالتخصيص واقعا ، وإن تردّد بين شيئين ، فيسقط العموم عن الحجّيّة في كلّ واحد منهما.

__________________

(١) راجع الصفحة : ١٥٥ ـ ١٥٦.

والفرق بينه وبين المخصّص المتّصل المجمل أنّه في المتّصل يرتفع ظهور الكلام في العموم رأسا ، وفي المنفصل المردّد بين المتباينين ترتفع حجّيّة الظهور ، وإن كان الظهور البدويّ باقيا ، فلا يمكن التمسّك بأصالة العموم في أحد المردّدين.

بل لو فرض أنّها تجري بالقياس إلى احدهما فهي تجري أيضا بالقياس إلى الآخر ، ولا يمكن جريانهما معا ؛ لخروج أحدهما عن العموم قطعا ، فيتعارضان ويتساقطان. وإن كان الحقّ أنّ نفس وجود العلم الإجماليّ يمنع من جريان أصالة العموم في كلّ منهما رأسا ، لا أنّها تجري فيهما فيحصل التعارض ثمّ التساقط.

ب) الشبهة المصداقيّة

قلنا : إنّ الشبهة المصداقيّة تكون في فرض الشكّ في دخول فرد من أفراد ما ينطبق عليه العامّ في المخصّص ، مع كون المخصّص مبيّنا لا إجمال فيه ، وإنّما الإجمال في المصداق. فلا يدرى أنّ هذا الفرد متّصف بعنوان الخاصّ ، فخرج عن حكم العامّ ، أم لم يتّصف فهو مشمول لحكم العامّ ، كالمثال المتقدّم ، وهو الماء المشكوك تغيّره بالنجاسة ، وكمثال الشكّ في اليد على مال أنّها يد عادية أو يد أمانة ، فيشكّ في شمول العامّ لها ، وهو قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «على اليد ما أخذت حتى تؤدّي» (١) ، لأنّها يد عادية ، أو خروجها منه لأنّها يد أمانة ، لما دلّ على عدم ضمان يد الأمانة المخصّص لذلك العموم.

ربما ينسب إلى المشهور من العلماء الأقدمين القول بجواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة (٢) ، ولذا أفتوا في مثال اليد المشكوكة بالضمان.

وقد يستدلّ لهذا القول بأنّ انطباق عنوان العامّ على المصداق المردّد معلوم ، فيكون العامّ حجّة فيه ما لم يعارض بحجّة أقوى ، وأمّا انطباق عنوان الخاصّ عليه فغير معلوم ، فلا يكون الخاصّ حجّة فيه ، فلا يزاحم حجيّة العامّ (٣).

__________________

(١) عوالي اللآلي ١ : ٢٢٤.

(٢) نسبه إليهم المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٢ : ٥١٨.

(٣) هكذا استدلّ لهذا القول المحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٢ : ٥١٨.

وهو نظير ما قلناه في المخصّص المنفصل في الشبهة المفهوميّة عند الدوران بين الأقلّ والأكثر.

والحقّ عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة في المتّصل والمنفصل معا.

ودليلنا على ذلك : أنّ المخصّص لمّا كان حجّة أقوى من العامّ ، فإنّه موجب لقصر حكم العامّ على باقي أفراده ، ورافع لحجّيّة العامّ في بعض مدلوله. والفرد المشكوك مردّد بين دخوله فيما كان العامّ حجّة فيه وبين خروجه عنه ، مع عدم دلالة العامّ على دخوله فيما هو حجّة فيه ، فلا يكون العامّ حجّة فيه بلا مزاحم ، كما قيل في دليلهم. ولئن كان انطباق عنوان العامّ عليه معلوما فليس هو معلوم الانطباق عليه بما هو حجّة.

والحاصل أنّ هناك عندنا حجّتين معلومتين حسب الفرض : إحداهما : العامّ ، وهو حجّة فيما عدا الخاصّ. وثانيتهما : المخصّص ، وهو حجّة في مدلوله. والمشتبه مردّد بين دخوله في تلك الحجّة أو هذه الحجّة.

وبهذا يظهر الفرق بين الشبهة المصداقيّة وبين الشبهة المفهوميّة في المنفصل عند الدوران بين الأقلّ والأكثر. فإنّ الخاصّ في الشبهة المفهوميّة ليس حجّة إلاّ في الأقلّ ، والزائد المشكوك ليس مشكوك الدخول فيما كان الخاصّ معلوم الحجّيّة فيه ، بل الخاصّ مشكوك أنّه جعل حجّة فيه أم لا. ومشكوك الحجّيّة في شيء ليس بحجّة ـ قطعا ـ في ذلك الشيء. (١) وأمّا العامّ فهو حجّة إلاّ فيما كان الخاصّ حجّة فيه. وعليه ، لا يكون الأكثر مردّدا بين دخوله في تلك الحجّة أو هذه الحجّة ، كالمصداق المردّد ، بل هو معلوم أنّ الخاصّ ليس حجّة فيه لمكان الشكّ ، فلا يزاحم حجّيّة العامّ فيه.

وأمّا فتوى المشهور بالضمان في اليد المشكوكة أنّها يد عادية أو يد أمانة ، فلا يعلم أنّها

__________________

(١) سيأتي في «مباحث الحجّة» أنّ قوام حجّيّة الشيء بالعلم ؛ لأنّه إنّما يكون الشيء صالحا لأن يحتجّ به المولى على العبد إذا كان واصلا إليه بالعلم ، فالعلم مأخوذ في موضوع الحجّة فعند الشك في حجّيّة شيء يرتفع موضوعها ، فيعلم بعدم حجّيّته. ومعنى الشك في حجّيته احتمال أنّه نصبه الشارع حجّة واقعا على تقدير وصوله. وحيث لم يصل ، يقطع بعدم حجّيته فعلا فيزول ذلك الاحتمال البدويّ عند الالتفات إلى ذلك ، لا أنّه حين الشكّ في الحجّيّة يقطع بعدم الحجّيّة وإلاّ للزم اجتماع الشك والقطع بشيء واحد في آن واحد ، وهو محال. ـ منه رحمه‌الله ـ.