درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۱۵: عام و خاص ۹

 

وهو نظير ما قلناه في المخصّص المنفصل في الشبهة المفهوميّة عند الدوران بين الأقلّ والأكثر.

والحقّ عدم جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة في المتّصل والمنفصل معا.

ودليلنا على ذلك : أنّ المخصّص لمّا كان حجّة أقوى من العامّ ، فإنّه موجب لقصر حكم العامّ على باقي أفراده ، ورافع لحجّيّة العامّ في بعض مدلوله. والفرد المشكوك مردّد بين دخوله فيما كان العامّ حجّة فيه وبين خروجه عنه ، مع عدم دلالة العامّ على دخوله فيما هو حجّة فيه ، فلا يكون العامّ حجّة فيه بلا مزاحم ، كما قيل في دليلهم. ولئن كان انطباق عنوان العامّ عليه معلوما فليس هو معلوم الانطباق عليه بما هو حجّة.

والحاصل أنّ هناك عندنا حجّتين معلومتين حسب الفرض : إحداهما : العامّ ، وهو حجّة فيما عدا الخاصّ. وثانيتهما : المخصّص ، وهو حجّة في مدلوله. والمشتبه مردّد بين دخوله في تلك الحجّة أو هذه الحجّة.

وبهذا يظهر الفرق بين الشبهة المصداقيّة وبين الشبهة المفهوميّة في المنفصل عند الدوران بين الأقلّ والأكثر. فإنّ الخاصّ في الشبهة المفهوميّة ليس حجّة إلاّ في الأقلّ ، والزائد المشكوك ليس مشكوك الدخول فيما كان الخاصّ معلوم الحجّيّة فيه ، بل الخاصّ مشكوك أنّه جعل حجّة فيه أم لا. ومشكوك الحجّيّة في شيء ليس بحجّة ـ قطعا ـ في ذلك الشيء. (١) وأمّا العامّ فهو حجّة إلاّ فيما كان الخاصّ حجّة فيه. وعليه ، لا يكون الأكثر مردّدا بين دخوله في تلك الحجّة أو هذه الحجّة ، كالمصداق المردّد ، بل هو معلوم أنّ الخاصّ ليس حجّة فيه لمكان الشكّ ، فلا يزاحم حجّيّة العامّ فيه.

وأمّا فتوى المشهور بالضمان في اليد المشكوكة أنّها يد عادية أو يد أمانة ، فلا يعلم أنّها

__________________

(١) سيأتي في «مباحث الحجّة» أنّ قوام حجّيّة الشيء بالعلم ؛ لأنّه إنّما يكون الشيء صالحا لأن يحتجّ به المولى على العبد إذا كان واصلا إليه بالعلم ، فالعلم مأخوذ في موضوع الحجّة فعند الشك في حجّيّة شيء يرتفع موضوعها ، فيعلم بعدم حجّيّته. ومعنى الشك في حجّيته احتمال أنّه نصبه الشارع حجّة واقعا على تقدير وصوله. وحيث لم يصل ، يقطع بعدم حجّيته فعلا فيزول ذلك الاحتمال البدويّ عند الالتفات إلى ذلك ، لا أنّه حين الشكّ في الحجّيّة يقطع بعدم الحجّيّة وإلاّ للزم اجتماع الشك والقطع بشيء واحد في آن واحد ، وهو محال. ـ منه رحمه‌الله ـ.

لأجل القول بجواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة ، ولعلّ لها وجها آخر ليس المقام محلّ ذكره (١).

تنبيه : في جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة إذا كان المخصّص لبّيّا

المقصود من المخصّص اللبّي ما يقابل اللفظيّ ، كالإجماع ودليل العقل اللذين هما دليلان وليسا من نوع الألفاظ. فقد نسب إلى الشيخ المحقّق الأنصاريّ قدس‌سره جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة مطلقا إذا كان المخصّص لبيّا (٢). وتبعه جماعة من المتأخّرين عنه (٣).

وذهب المحقّق شيخ أساتذتنا (صاحب الكفاية قدس‌سره) إلى التفصيل بين ما إذا كان المخصّص اللبّيّ ممّا يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم في بيان مراده بأن كان عقليّا ضروريّا ؛ فإنّه يكون كالمتّصل ، فلا ينعقد للعامّ ظهور في العموم ، فلا مجال للتمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة ، وبين ما إذا لم يكن كذلك ، كما إذا لم يكن التخصيص ضروريّا على وجه يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم ، فإنّه لا مانع من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة ؛ لبقاء العامّ على ظهوره ، وهو حجّة بلا مزاحم.

واستشهد على ذلك بما ذكره من الطريقة المعروفة ، والسيرة المستمرّة المألوفة بين العقلاء ، كما إذا أمر المولى منهم عبده بإكرام جيرانه ، وحصل القطع للعبد بأنّ المولى لا يريد إكرام من كان عدوّا له من الجيران فإنّ العبد ليس له ألاّ يكرم من يشكّ في عداوته ،

__________________

(١) وإن شئت فراجع فوائد الأصول ٢ : ٥٢٩.

(٢) نسب إليه في فوائد الأصول ٢ : ٥٣٦ ، والمحاضرات ٥ : ١٩٦. ولكن قال المحقّق البروجرديّ : «فقد ظهر لك أنّ الشيخ رحمه‌الله لم يفرق بين اللفظيّ واللبيّ بما هما كذلك» نهاية الأصول : ٢٨٩. والحقّ معه ، فإنّ الشيخ الأنصاريّ قال : «إنّ التخصيص تارة يوجب تعدّد الموضوعين ، وأخرى لا يوجب ذلك ، فعلى الأوّل لا وجه لتحكيم العامّ وأغلب ما يكون ذلك إنّما هو في التخصيصات اللفظيّة ، وعلى الثاني يجب تحكيم العامّ وأغلب ما يكون إنّما هو في التخصيصات اللبّيّة» انتهى ملخّصا. مطارح الأنظار : ١٩٤.

(٣) تبعه في ذلك ـ كما سيأتى في المتن ـ المحقّق الخراسانيّ لا مطلقا ، بل بالقياس إلى خصوص المخصّص اللبّيّ الذي لا يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم في بيان مراده. راجع كفاية الأصول : ٢٥٩.