درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۱۶: عام و خاص ۱۰

 

لأجل القول بجواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة ، ولعلّ لها وجها آخر ليس المقام محلّ ذكره (١).

تنبيه : في جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة إذا كان المخصّص لبّيّا

المقصود من المخصّص اللبّي ما يقابل اللفظيّ ، كالإجماع ودليل العقل اللذين هما دليلان وليسا من نوع الألفاظ. فقد نسب إلى الشيخ المحقّق الأنصاريّ قدس‌سره جواز التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة مطلقا إذا كان المخصّص لبيّا (٢). وتبعه جماعة من المتأخّرين عنه (٣).

وذهب المحقّق شيخ أساتذتنا (صاحب الكفاية قدس‌سره) إلى التفصيل بين ما إذا كان المخصّص اللبّيّ ممّا يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم في بيان مراده بأن كان عقليّا ضروريّا ؛ فإنّه يكون كالمتّصل ، فلا ينعقد للعامّ ظهور في العموم ، فلا مجال للتمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة ، وبين ما إذا لم يكن كذلك ، كما إذا لم يكن التخصيص ضروريّا على وجه يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم ، فإنّه لا مانع من التمسّك بالعامّ في الشبهة المصداقيّة ؛ لبقاء العامّ على ظهوره ، وهو حجّة بلا مزاحم.

واستشهد على ذلك بما ذكره من الطريقة المعروفة ، والسيرة المستمرّة المألوفة بين العقلاء ، كما إذا أمر المولى منهم عبده بإكرام جيرانه ، وحصل القطع للعبد بأنّ المولى لا يريد إكرام من كان عدوّا له من الجيران فإنّ العبد ليس له ألاّ يكرم من يشكّ في عداوته ،

__________________

(١) وإن شئت فراجع فوائد الأصول ٢ : ٥٢٩.

(٢) نسب إليه في فوائد الأصول ٢ : ٥٣٦ ، والمحاضرات ٥ : ١٩٦. ولكن قال المحقّق البروجرديّ : «فقد ظهر لك أنّ الشيخ رحمه‌الله لم يفرق بين اللفظيّ واللبيّ بما هما كذلك» نهاية الأصول : ٢٨٩. والحقّ معه ، فإنّ الشيخ الأنصاريّ قال : «إنّ التخصيص تارة يوجب تعدّد الموضوعين ، وأخرى لا يوجب ذلك ، فعلى الأوّل لا وجه لتحكيم العامّ وأغلب ما يكون ذلك إنّما هو في التخصيصات اللفظيّة ، وعلى الثاني يجب تحكيم العامّ وأغلب ما يكون إنّما هو في التخصيصات اللبّيّة» انتهى ملخّصا. مطارح الأنظار : ١٩٤.

(٣) تبعه في ذلك ـ كما سيأتى في المتن ـ المحقّق الخراسانيّ لا مطلقا ، بل بالقياس إلى خصوص المخصّص اللبّيّ الذي لا يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم في بيان مراده. راجع كفاية الأصول : ٢٥٩.

للمولى أن يؤاخذه على عدم إكرامه ، ولا يصحّ منه الاعتذار بمجرّد احتمال العداوة ، لأنّ بناء العقلاء وسيرتهم هي ملاك حجّيّة أصالة الظهور ، فيكون ظهور العامّ ـ في هذا المقام ـ حجّة بمقتضى بناء العقلاء.

وزاد على ذلك أنّه يستكشف من عموم العامّ للفرد المشكوك أنّه ليس فردا للخاصّ الذي علم خروجه من حكم العامّ. ومثّل له بعموم قوله : «لعن الله بني فلان قاطبة» المعلوم منه خروج من كان مؤمنا منهم ، فإن شكّ في إيمان شخص يحكم بجواز لعنه للعموم. وكلّ من جاز لعنه ليس مؤمنا. فينتج من الشكل الأوّل : «هذا الشخص ليس مؤمنا». هذا خلاصة رأي صاحب الكفاية قدس‌سره (١)

ولكن شيخنا المحقّق الكبير النائينيّ قدس‌سره لم يرتض هذا التفصيل ، ولا إطلاق رأي الشيخ قدس‌سره ، بل ذهب إلى تفصيل آخر (٢). وخلاصته : أن المخصّص اللبّيّ ، سواء كان عقليّا ضروريّا يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم في مقام التخاطب أو لم يكن كذلك ، بأن كان عقليّا نظريّا أو إجماعا ؛ فإنّه كالمخصّص اللفظيّ كاشف عن تقييد المراد الواقعيّ في العامّ من عدم كون موضوع الحكم الواقعي باقيا على إطلاقه الذي يظهر فيه العامّ ، فلا مجال للتمسّك بالعامّ في الفرد المشكوك بلا فرق بين اللبّيّ واللفظيّ ؛ لأنّ المانع من التمسّك بالعامّ مشترك بينهما وهو انكشاف تقييد موضوع الحكم واقعا. ولا يفرق في هذه الجهة بين أن يكون الكاشف لفظيّا أو لبيّا.

واستثنى من ذلك ما اذا كان المخصّص اللبّيّ لم يستكشف منه تقييد موضوع الحكم واقعا ، بأن كان العقل إنّما أدرك ما هو ملاك حكم الشارع واقعا ، أو قام الإجماع على كونه ملاكا لحكم الشارع ، كما إذا أدرك العقل أو قام الإجماع على أنّ ملاك لعن بني فلان (٣) هو كفرهم ، فإنّ ذلك لا يوجب تقييد موضوع الحكم ، لأنّ الملاك لا يصلح لتقييده ، بل من العموم يستكشف وجود الملاك في جميعهم. فإذا شكّ في وجود الملاك في فرد ، يكون

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢٥٩ ـ ٢٦٠.

(٢) فوائد الأصول ٢ : ٥٣٦ ـ ٥٣٨.

(٣) أي بنى اميّة قاطبة ـ مثلا ـ.