درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۱۷: عام و خاص ۱۱

 

للمولى أن يؤاخذه على عدم إكرامه ، ولا يصحّ منه الاعتذار بمجرّد احتمال العداوة ، لأنّ بناء العقلاء وسيرتهم هي ملاك حجّيّة أصالة الظهور ، فيكون ظهور العامّ ـ في هذا المقام ـ حجّة بمقتضى بناء العقلاء.

وزاد على ذلك أنّه يستكشف من عموم العامّ للفرد المشكوك أنّه ليس فردا للخاصّ الذي علم خروجه من حكم العامّ. ومثّل له بعموم قوله : «لعن الله بني فلان قاطبة» المعلوم منه خروج من كان مؤمنا منهم ، فإن شكّ في إيمان شخص يحكم بجواز لعنه للعموم. وكلّ من جاز لعنه ليس مؤمنا. فينتج من الشكل الأوّل : «هذا الشخص ليس مؤمنا». هذا خلاصة رأي صاحب الكفاية قدس‌سره (١)

ولكن شيخنا المحقّق الكبير النائينيّ قدس‌سره لم يرتض هذا التفصيل ، ولا إطلاق رأي الشيخ قدس‌سره ، بل ذهب إلى تفصيل آخر (٢). وخلاصته : أن المخصّص اللبّيّ ، سواء كان عقليّا ضروريّا يصحّ أن يتّكل عليه المتكلّم في مقام التخاطب أو لم يكن كذلك ، بأن كان عقليّا نظريّا أو إجماعا ؛ فإنّه كالمخصّص اللفظيّ كاشف عن تقييد المراد الواقعيّ في العامّ من عدم كون موضوع الحكم الواقعي باقيا على إطلاقه الذي يظهر فيه العامّ ، فلا مجال للتمسّك بالعامّ في الفرد المشكوك بلا فرق بين اللبّيّ واللفظيّ ؛ لأنّ المانع من التمسّك بالعامّ مشترك بينهما وهو انكشاف تقييد موضوع الحكم واقعا. ولا يفرق في هذه الجهة بين أن يكون الكاشف لفظيّا أو لبيّا.

واستثنى من ذلك ما اذا كان المخصّص اللبّيّ لم يستكشف منه تقييد موضوع الحكم واقعا ، بأن كان العقل إنّما أدرك ما هو ملاك حكم الشارع واقعا ، أو قام الإجماع على كونه ملاكا لحكم الشارع ، كما إذا أدرك العقل أو قام الإجماع على أنّ ملاك لعن بني فلان (٣) هو كفرهم ، فإنّ ذلك لا يوجب تقييد موضوع الحكم ، لأنّ الملاك لا يصلح لتقييده ، بل من العموم يستكشف وجود الملاك في جميعهم. فإذا شكّ في وجود الملاك في فرد ، يكون

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢٥٩ ـ ٢٦٠.

(٢) فوائد الأصول ٢ : ٥٣٦ ـ ٥٣٨.

(٣) أي بنى اميّة قاطبة ـ مثلا ـ.

عموم الحكم كاشفا عن وجوده فيه.

نعم ، لو علم بعدم وجود الملاك في فرد ، يكون الفرد نفسه خارجا كما لو أخرجه المولى بالنّص عليه ، لا أنّه يكون كالمقيّد لموضوع العامّ.

وأمّا سكوت المولى عن بيانه ، فهو إمّا لمصلحة أو لغفلة إذا كان من الموالي العاديّين. نعم ، لو تردّد الأمر بين أن يكون المخصّص كاشفا عن الملاك أو مقيّدا لعنوان العامّ ؛ فإنّ التفصيل الذي ذكره صاحب الكفاية قدس‌سره يكون وجيها.

والحاصل أنّ المخصّص إن أحرزنا أنّه كاشف عن تقييد موضوع العامّ فلا يجوز التمسّك بالعموم في الشبهة المصداقيّة أبدا ، وإن أحرزنا أنّه كاشف عن ملاك الحكم فقط من دون تقييد فلا مانع من التمسّك بالعموم ، بل يكون كاشفا عن وجود الملاك في المشكوك. وإن تردّد أمره ولم يحرز كونه قيدا أو ملاكا فان كان حكم العقل ضروريّا يمكن الاتّكال عليه في التفهيم فيلحق بالقسم الأوّل ، وإن كان نظريّا أو اجماعا لا يصحّ الاتّكال عليه فيلحق بالقسم الثاني ، فيتمسّك بالعموم ، لجواز أن يكون الفرد المشكوك قد أحرز المولى وجود الملاك فيه ، مع احتمال أنّ ما أدركه العقل أو قام عليه الإجماع من قبيل الملاكات (١).

هذا كلّه حكاية أقوال علمائنا في المسألة. وإنّما أطلت في نقلها ؛ لأنّ هذه المسألة حادثة ، أثارها شيخنا الأنصاريّ قدس‌سره مؤسّس الأصول الحديث. واختلف فيها أساطين مشايخنا ، ونكتفى بهذا المقدار دون بيان ما نعتمد عليه من الأقوال ، لئلاّ نخرج عن الغرض الذي وضعت له الرسالة.

وبالاختصار إنّ ما ذهب إليه الشيخ قدس‌سره هو الأولى بالاعتماد. ولكن مع تحرير لقوله على غير ما هو المعروف عنه (٢).

__________________

(١) انتهى مخلّص كلام المحقّق النائينيّ.

(٢) وتوضيح ذلك : أن كلّ عامّ ظاهر في العموم لا بدّ أن يتضمّن ظهورين : ١ : ظهوره في عدم منافاة أيّة صفة من الصفات أو أيّ عنوان من العناوين لحكمه. ٢ : ظهوره في عدم وجود المنافي أيضا ، أي إنّه ظاهر في عدم المنافاة وعدم المنافي معه ، فإنّ معنى ظهور عموم «أكرم جيراني» ـ مثلا ـ أنّه ليس هناك صفة أو عنوان ينافي الحكم بوجوب إكرام الجيران ، نحو صفة العداوة أو الفسق أو نحو ذلك ، كما معناه أيضا أنّه ليس يوجد ـ

...

__________________

ـ في الجيران من فيه صفة أو عنوان ينافي الحكم بوجوب إكرامه. وهذا واضح لا غبار فيه.

فإذا جاء بعد انعقاد هذا الظهور في العموم مخصّص منفصل لفظيّ ، كما لو قال في المثال المتقدّم : «لا تكرم الأعداء من جيراني» ، فإن هذا المخصّص لا شكّ في أنّه يكون ظاهرا في أمرين : ١ : إنّ صفة العداوة منافية لوجوب الإكرام. ٢ : إن في الجيران من هو على صفة العداوة فعلا أو يتوقّع منه أن يكون عدوّا ، وإلاّ لو لم يوجد العدوّ ولا يتوقّع فيهم لكان هذا التخصيص لغوا وعبثا لا يصدر من الحكيم.

وعلى ذلك فيكون المخصّص اللفظيّ مزاحما للعامّ في الظهورين معا ، فيسقط عن الحجّيّة فيهما معا. فإذا شككنا في فرد من الجيران أنّه عدوّ أم لا ، فلا مجال فيه للتمسّك بالعامّ في إلحاقه بحكمه ؛ لسقوط العامّ عن حجّيّته في شموله له ؛ إذ يكون هذا الفرد مردّدا بين دخوله فيما أصبح العامّ حجّة فيه وبين دخوله فيما كان الخاصّ حجّة فيه.

أمّا لو كان هناك مخصّص لبيّ ، كما لو حكم العقل ـ مثلا ـ بأنّ العداوة تنافي وجوب الإكرام ، فإنّ هذا الحكم من العقل لا يتوقّف على أن يكون هناك أعداء بالفعل أو متوقّعون ، بل العقل يحكم بهذا الحكم ، سواء كان هناك أعداء أم لم يكونوا أبدا ؛ إذ لا مجال للقول بأنّه لو لم يكن هناك أعداء ، لكان حكم العقل لغوا وعبثا ، كما هو واضح بأدنى تأمّل والتفات.

وعليه ، فالحكم العقليّ هذا لا يزاحم الظهور الثاني العامّ ـ أعني ظهوره في عدم المنافي ـ فظهور الثاني هذا يبقى بلا مزاحم. فإذا شككنا في فرد من الجيران أنّه عدوّ أم لا ، فلا مانع من التمسك بالعامّ في إدخاله في حكمه ؛ لأنّه لا يكون هذا الفرد مردّدا بين دخوله في هذه الحجّة أو هذه الحجّة ؛ إذ المخصّص اللبّيّ حسب الفرض لا يقتضي وجود المنافي وليس حجّة فيه ، أمّا العامّ فهو حجّة فيه بلا مزاحم.

فظهر من هذا البيان أنّ الفرق عظيم بين المخصّص اللبّيّ والمخصّص اللفظيّ من هذه الناحية ؛ لأنّه في المخصّص اللبّيّ يبقى العامّ حجّة في ظهوره الثاني من دون أن يكون المخصّص متعرّضا له ، ولا يسقط العامّ عن الحجّيّة في ظهوره إلاّ بمقدار المزاحمة لا أكثر. وهذا بخلاف المخصّص اللفظيّ ، فإنّه ظاهر في الأمرين معا كما قدّمناه ، فيكون مزاحما للعامّ فيهما معا.

ولا فرق في المخصّص اللبّيّ بين أنّ يكون ضروريّا أو يكون غير ضروريّ ، * ولا بين أن يكون كاشفا عن تقييد موضوع العامّ أو كاشفا عن ملاك الحكم ، ** فإنّه في جميع هذه الصور لا يقتضي وجود المنافي.

وبهذا التحرير للمسألة يتجلّى مرام الشيخ الأعظم قدس‌سره [و] أنّه الأولى بالاعتماد ـ منه رحمه‌الله ـ.

__________________

* خلافا للمحقّق الخراسانيّ في الكفاية : ٢٥٩.

** خلافا للمحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٢ : ٥٣٦ ـ ٥٣٨.

وهذه الحاشية ليست في «س».