درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۱۹: عام و خاص ۱۳

 

٧. تعقيب العامّ بضمير يرجع إلى بعض أفراده

قد يرد عامّ ثمّ ترد بعده جملة فيها ضمير يرجع إلى بعض أفراد العامّ بقرينة خاصّة. مثل قوله (تعالى) : ﴿وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ ...﴾ إلى قوله : ﴿وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذلِكَ﴾ (١) ؛ فإنّ «المطلّقات» عامّة للرجعيّات وغيرها ، ولكن الضمير في «بعولتهنّ» يراد به خصوص الرجعيّات. فمثل هذا الكلام يدور فيه الأمر بين مخالفتين للظاهر ، إمّا مخالفة ظهور العامّ في العموم ، بأن يجعل مخصوصا بالبعض الذي يرجع إليه الضمير ، وإمّا مخالفة ظهور الضمير في رجوعه إلى ما تقدّم عليه من المعنى الذي دلّ عليه اللفظ ، بأن يكون مستعملا على سبيل الاستخدام ، فيراد منه البعض ، والعامّ يبقى على دلالته على العموم ، فأيّ المخالفتين أولى؟ وقع الخلاف على أقوال ثلاثة :

الأوّل : أنّ أصالة العموم هي المقدّمة ، فيلتزم بالمخالفة الثانية (٢).

الثانى : أنّ أصالة عدم الاستخدام هي المقدّمة ، فيلتزم بالمخالفة الأولى (٣).

الثالث : عدم جريان الأصلين معا ، والرجوع إلى الأصول العمليّة. أمّا عدم جريان أصالة العموم فلوجود ما يصلح أن يكون قرينة في الكلام ، وهو عود الضمير إلى البعض ، فلا ينعقد ظهور العامّ في العموم. وأمّا أنّ أصالة عدم الاستخدام لا تجري فلأنّ الأصول اللفظيّة يشترط في جريانها ـ كما سبق أوّل الكتاب ـ أن يكون الشكّ في مراد المتكلّم ، فلو كان المراد معلوما ـ كما في المقام ـ وكان الشكّ في كيفيّة الاستعمال ، فلا تجري قطعا (٤).

والحقّ أن أصالة العموم جارية ولا مانع منها ؛ لأنّا ننكر أن يكون عود الضمير إلى بعض

__________________

(١) البقرة (٢) : الآية : ٢٢٨.

(٢) هذا ما ذهب إليه صاحب الفصول والشيخ الأنصاريّ والمحقّق النائينيّ. راجع الفصول الغرويّة : ٢١١ ؛ مطارح الأنظار : ٢٠٧ ؛ فوائد الأصول ٢ : ٥٥٢ ـ ٥٥٣.

(٣) ذهب إليه السيّد المحقّق الخوئي في المحاضرات ٥ : ٢٨٨ ـ ٢٩١.

(٤) هذا ما اختاره المحقّق الخراسانيّ في الكفاية : ٢٧١ ـ ٢٧٢.

أفراد العامّ موجبا لصرف ظهور العموم ؛ إذ لا يلزم من تعيّن البعض ـ من جهة مرجعيّة الضمير بقرينة ـ أن يتعيّن إرادة البعض من جهة حكم العامّ الثابت له بنفسه ؛ لأنّ الحكم في الجملة المشتملة على الضمير غير الحكم في الجملة المشتملة على العامّ ، ولا علاقة بينهما ، فلا يكون عود الضمير إلى بعض العامّ من القرائن التي تصرف ظهوره عن عمومه. واعتبر ذلك في المثال ، فلو قال المولى : «العلماء يجب إكرامهم» ثمّ قال : «وهم يجوز تقليدهم» وأريد من ذلك «العدول» بقرينة ، فإنّه واضح في هذا المثال أنّ تقييد الحكم الثاني بالعدول لا يوجب تقييد الحكم الأوّل بذلك ، بل ليس فيه إشعار به. ولا يفرق في ذلك بين أن يكون التقييد بمتّصل ، كما في مثالنا ، أو بمنفصل كما في الآية.

٨. تعقيب الاستثناء لجمل متعدّدة

وقد ترد عمومات متعدّدة في كلام واحد ثمّ يتعقّبها استثناء في آخرها ، فيشكّ حينئذ في رجوع الاستثناء لخصوص الجملة الأخيرة أو لجميع الجمل.

مثاله قوله (تعالى) : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (*﴾ إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ (١) ، فإنّه يحتمل أن يكون هذا الاستثناء من الحكم الأخير فقط ، وهو فسق هؤلاء ، ويحتمل أن يكون استثناء منه ومن الحكم بعدم قبول شهادتهم والحكم بجلدهم الثمانين. واختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال :

١. ظهور الكلام في رجوع الاستثناء إلى خصوص الجملة الأخيرة ، وإن كان رجوعه إلى غير الأخيرة ممكنا ، ولكنّه يحتاج إلى قرينة عليه. (٢)

٢. ظهوره في رجوعه إلى جميع الجمل ؛ وتخصيصه بالأخيرة فقط هو الذي يحتاج

__________________

(١) النور (٢٤) : الآية ٤ و ٥.

(٢) نسبه الشيخ الطوسيّ إلى السيّد المرتضى ، فراجع العدّة ١ : ٣٢١. ولكن في نسبته إليه نظر.

وذهب إلى رجوعه إلى خصوص الأخيرة أبو حنيفة على ما في الإحكام (للآمدي) ٢ : ٤٣٨ ، والعلاّمة في مبادئ الوصول : ١٣٦ ، وصاحب الفصول في الفصول : ٢٠٤.