درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۲۰: عام و خاص ۱۴

 

أفراد العامّ موجبا لصرف ظهور العموم ؛ إذ لا يلزم من تعيّن البعض ـ من جهة مرجعيّة الضمير بقرينة ـ أن يتعيّن إرادة البعض من جهة حكم العامّ الثابت له بنفسه ؛ لأنّ الحكم في الجملة المشتملة على الضمير غير الحكم في الجملة المشتملة على العامّ ، ولا علاقة بينهما ، فلا يكون عود الضمير إلى بعض العامّ من القرائن التي تصرف ظهوره عن عمومه. واعتبر ذلك في المثال ، فلو قال المولى : «العلماء يجب إكرامهم» ثمّ قال : «وهم يجوز تقليدهم» وأريد من ذلك «العدول» بقرينة ، فإنّه واضح في هذا المثال أنّ تقييد الحكم الثاني بالعدول لا يوجب تقييد الحكم الأوّل بذلك ، بل ليس فيه إشعار به. ولا يفرق في ذلك بين أن يكون التقييد بمتّصل ، كما في مثالنا ، أو بمنفصل كما في الآية.

٨. تعقيب الاستثناء لجمل متعدّدة

وقد ترد عمومات متعدّدة في كلام واحد ثمّ يتعقّبها استثناء في آخرها ، فيشكّ حينئذ في رجوع الاستثناء لخصوص الجملة الأخيرة أو لجميع الجمل.

مثاله قوله (تعالى) : ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَناتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَداءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهادَةً أَبَداً وَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ (*﴾ إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا﴾ (١) ، فإنّه يحتمل أن يكون هذا الاستثناء من الحكم الأخير فقط ، وهو فسق هؤلاء ، ويحتمل أن يكون استثناء منه ومن الحكم بعدم قبول شهادتهم والحكم بجلدهم الثمانين. واختلف العلماء في ذلك على أربعة أقوال :

١. ظهور الكلام في رجوع الاستثناء إلى خصوص الجملة الأخيرة ، وإن كان رجوعه إلى غير الأخيرة ممكنا ، ولكنّه يحتاج إلى قرينة عليه. (٢)

٢. ظهوره في رجوعه إلى جميع الجمل ؛ وتخصيصه بالأخيرة فقط هو الذي يحتاج

__________________

(١) النور (٢٤) : الآية ٤ و ٥.

(٢) نسبه الشيخ الطوسيّ إلى السيّد المرتضى ، فراجع العدّة ١ : ٣٢١. ولكن في نسبته إليه نظر.

وذهب إلى رجوعه إلى خصوص الأخيرة أبو حنيفة على ما في الإحكام (للآمدي) ٢ : ٤٣٨ ، والعلاّمة في مبادئ الوصول : ١٣٦ ، وصاحب الفصول في الفصول : ٢٠٤.

إلى الدليل. (١)

٣. عدم ظهوره في واحد منهما ، وإن كان رجوعه إلى الأخيرة متيقّنا على كلّ حال. أمّا ما عدا الأخيرة فتبقى مجملة لوجود ما يصلح للقرينيّة ، فلا ينعقد لها ظهور في العموم ، فلا تجري أصالة العموم فيها. (٢)

٤. التفصيل بين ما إذا كان الموضوع واحدا للجمل المتعاقبة لم يتكرّر ذكره ، وقد ذكر في صدر الكلام مثل قولك : «أحسن إلى الناس ، واحترمهم ، واقض حوائجهم إلاّ الفاسقين» ، وبين ما إذا كان الموضوع متكرّرا ذكره لكلّ جملة ، كالآية الكريمة المتقدّمة ، وإن كان الموضوع في المعنى واحدا في الجميع. فإن كان من قبيل الأوّل فهو ظاهر في رجوعه إلى الجميع ؛ لأنّ الاستثناء إنّما هو من الموضوع باعتبار الحكم ، والموضوع لم يذكر إلاّ في صدر الكلام فقط ، فلا بدّ من رجوع الاستثناء إليه ، فيرجع إلى الجميع ؛ وإن كان من قبيل الثاني فهو ظاهر في الرجوع إلى الأخيرة ؛ لأنّ الموضوع قد ذكر فيها مستقلاّ ، فقد أخذ الاستثناء محلّه ، ويحتاج تخصيص الجمل السابقة إلى دليل آخر مفقود بالفرض ، فيتمسّك بأصالة عمومها. (٣).

وأمّا : ما قيل : «أنّ المقام من باب اكتناف الكلام بما يصلح لأن يكون قرينة فلا ينعقد للجمل الأولى ظهور في العموم» (٤) فلا وجه له ؛ لأنّه لمّا كان المتكلّم حسب الفرض قد كرّر الموضوع بالذكر ، واكتفى باستثناء واحد ، وهو يأخذ محلّه بالرجوع إلى الأخيرة ، فلو أراد إرجاعه إلى الجميع ، لوجب أن ينصب قرينة على ذلك وإلاّ كان مخلاّ ببيانه.

وهذا القول الرابع هو أرجح الأقوال ، وبه يكون الجمع بين كلمات العلماء ، فمن ذهب

__________________

(١) ذهب إليه الشافعيّة من العامّة ـ على ما في الإحكام (للآمدي) ٢ : ٤٣٨ ، وإرشاد الفحول : ١٥٠. واختاره الشيخ الطوسيّ في العدّة ١ : ٢٢١.

(٢) ذهب إليه السيّد المرتضى في الذريعة ١ : ٢٤٩. واختاره المحقّق الخراسانيّ في الكفاية : ٢٧٤ ، والمحقّق العراقيّ في نهاية الأفكار ٢ : ٥٤١ ـ ٥٤٣.

(٣) هذا التفصيل مختار المحقّق النائينيّ في فوائد الأصول ٢ : ٥٥٥.

(٤) والقائل المحقّق الخراسانيّ في الكفاية : ٢٧٤.

إلى القول برجوعه إلى خصوص الأخيرة فلعلّه كان ناظرا إلى مثل الآية المباركة التي تكرّر فيها الموضوع ، ومن ذهب إلى القول برجوعه إلى الجميع فلعلّه كان ناظرا إلى الجمل التي لم يذكر فيها الموضوع إلاّ في صدر الكلام ، فيكون النزاع على هذا لفظيّا ، ويقع التصالح بين المتنازعين.

تمرينات (٢٥)

١. ما هو محلّ النزاع في مسألة تعقيب العامّ بضمير يرجع إلى بعض أفراده؟

٢. ما هي الأقوال في مسألة تعقيب العامّ بالضمير؟ وما هو مختار المصنّف رحمه‌الله؟ وما الدليل على مختاره؟

٣. ما هو محلّ البحث في مسألة تعقيب الاستثناء لجمل متعدّدة؟ ايت بمثال لها.

٤. اذكر أقوال العلماء في مسألة تعقيب الاستثناء لجمل متعدّدة. واذكر الراجح منها وسبب رجحانه؟