درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۲۱: عام و خاص ۱۵

 

٩. تخصيص العامّ بالمفهوم

المفهوم ينقسم ـ كما تقدّم (١) ـ إلى الموافق والمخالف ، فإذا ورد عامّ ومفهوم أخصّ مطلقا ، فلا كلام في تخصيص العامّ بالمفهوم اذا كان مفهوما موافقا ، مثاله قوله (تعالى) : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾ (٢) فإنّه عامّ يشمل كلّ عقد يقع باللغة العربيّة وغيرها ، فإذا ورد دليل على اعتبار أن يكون العقد بصيغة الماضي فقد قيل (٣) : إنّه يدلّ بالأولويّة على اعتبار العربيّة في العقد ، لأنّه لمّا دلّ على عدم صحّة العقد بالمضارع من العربيّة فلئن لم يصحّ من لغة أخرى فمن طريق أولى. ولا شكّ أنّ مثل هذا المفهوم إن ثبت فإنّه يخصّص العامّ المتقدّم ؛ لأنّه كالنصّ ، أو أظهر من عموم العامّ فيقدّم عليه.

وأمّا : التخصيص بالمفهوم المخالف فمثاله قوله (تعالى) : ﴿إِنَّ الظَّنَّ لا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً﴾ (٤) الدالّ بعمومه على عدم اعتبار كلّ ظنّ حتى الظنّ الحاصل من خبر العادل. وقد وردت آية أخرى هي : ﴿إِنْ جاءَكُمْ فاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا ...﴾ (٥) دالّة بمفهوم الشرط على جواز الأخذ بخبر غير الفاسق بغير تبيّن. فهل يجوز تخصيص ذلك العامّ بهذا المفهوم المخالف؟ قد اختلفوا على أقوال :

فقد قيل بتقديم العامّ ولا يجوز تخصيصه بهذا المفهوم. (٦)

وقيل بتقديم المفهوم. (٧)

__________________

(١) راجع الصفحة : ١٢٢ ـ ١٢٣.

(٢) المائدة (٥) : الآية ١.

(٣) كما قال به الشيخ الأنصاريّ في مطارح الأنظار : ٢١٠.

(٤) النجم (٥٣) : الآية ٢٨.

(٥) الحجرات (٤٩) : الآية ٦.

(٦) وهذا القول منسوب إلى أبي العبّاس بن سريج. راجع إرشاد الفحول : ١٦٠ ، واللمع ٣٤.

(٧) قال الآمديّ : «لا نعرف خلافا بين القائلين بالعموم ، المفهوم أنّه يجوز تخصيص العموم بالمفهوم» ، الإحكام ٢ : ٤٧٨.

وذهب إليه كثير من الإماميّة ، منهم صاحبا المعالم والفصول ، راجع معالم الدين : ١٥٨ ، والفصول الغرويّة : ٢١٢.

وقيل بعدم تقديم أحدهما على الآخر ، فيبقى الكلام مجملا. (١)

وفصّل بعضهم تفصيلات كثيرة يطول الكلام عليها. (٢)

والسرّ في هذا الخلاف أنّه لمّا كان ظهور المفهوم المخالف ليس من القوّة بحيث يبلغ درجة ظهور المنطوق أو المفهوم الموافق وقع الكلام في أنّه أقوى من ظهور العامّ ، فيقدّم عليه ، أو أنّ العامّ أقوى ، فهو المقدّم ، أو أنّهما متساويان في درجة الظهور فلا يقدّم أحدهما على الآخر ، أو أنّ ذلك يختلف باختلاف المقامات.

والحقّ أنّ المفهوم لمّا كان أخصّ من العامّ حسب الفرض فهو قرينة عرفا على المراد من العامّ ، والقرينة تقدّم على ذي القرينة ، وتكون مفسّرة لما يراد من ذي القرينة ، ولا يعتبر أن يكون ظهورها أقوى من ظهور ذي القرينة ، نعم ، لو فرض أنّ العامّ كان نصّا في العموم فإنّه يكون هو قرينة على المراد من الجملة ذات المفهوم ، فلا يكون لها مفهوم حينئذ ، هذا أمر آخر.

١٠. تخصيص الكتاب العزيز بخبر الواحد (٣)

يبدو من الصعب على المبتدئ أن يؤمن لأوّل وهلة بجواز تخصيص العامّ الوارد في القرآن الكريم بخبر الواحد ؛ نظرا إلى أنّ الكتاب المقدّس إنّما هو وحي منزل من الله (تعالى) لا ريب فيه ، والخبر ظنّيّ يحتمل فيه الخطأ والكذب ، فكيف يقدّم على الكتاب؟! ولكنّ سيرة العلماء من القديم على العمل بخبر الواحد إذا كان مخصّصا للعامّ القرآنيّ ، بل لا تجد على الأغلب خبرا معمولا به من بين الأخبار التي بأيدينا في المجاميع إلاّ وهو مخالف لعامّ ، أو مطلق في القرآن ، ولو مثل عمومات الحلّ (٤) ونحوها (٥). بل على الظاهر أنّ

__________________

(١) لا مطلقا ، بل لو لم يكن في البين أظهر. ذهب إليه المحقّق الخراساني في الكفاية : ٢٨٣.

(٢) وإن شئت فراجع : فوائد الأصول ٢ : ٥٥٦ ـ ٥٦١ ؛ والمحاضرات ٥ : ٢٩٧ ـ ٣٠٣.

(٣) قوله : «بخبر الواحد» إشارة إلى أنّ البحث في المقام ليس في أصل جواز التصرّف في الكتاب وتخصيصه ؛ ضرورة أنّه يجوز تخصيص العامّ الكتابي بنفس المخصّص الكتابي ، كما لا ريب في جواز تخصيصه بالخبر القويّ المتواتر ، بل محلّ البحث في المقام هو أنّه هل لخبر الواحد قوّة يصير بها قابلا لكونه مخصّصا للعام الكتابي أم لا؟

(٤) كقوله (تعالى) : ﴿أَحَلَّ اللهُ الْبَيْعَ.﴾ البقرة (٢) الآية : ٢٧٥.

(٥) كقوله (تعالى) : ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.﴾ المائدة (٥) الآية : ١.

مسألة تقديم الخبر الخاصّ على الآية القرآنيّة العامّة من المسائل المجمع عليها من غير خلاف بين علمائنا (١) ، فما السرّ في ذلك مع ما قلناه؟

نقول : لا ريب في أنّ القرآن الكريم ـ وإن كان قطعيّ السند ـ فيه متشابه ومحكم ، نصّ على ذلك القرآن نفسه (٢) ، والمحكم نصّ وظاهر ، والظاهر منه عامّ ومطلق ؛ كما لا ريب أيضا في أنّه ورد في كلام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة عليهم‌السلام ما يخصّص كثيرا من عمومات القرآن ، وما يقيّد كثيرا من مطلقاته ، وما يقوم قرينة على صرف جملة من ظواهره ، وهذا قطعيّ لا يشكّ فيه أحد. فإن كان الخبر قطعيّ الصدور فلا كلام في ذلك ، وإن كان غير قطعيّ الصدور وقد قام الدليل القطعيّ على أنّه حجّة شرعا ، لأنّه خبر عادل ـ مثلا ـ ، وكان مضمون الخبر أخصّ من عموم الآية القرآنيّة ، فيدور الأمر بين أن نطرح الخبر ـ بمعنى أن نكذّب راويه ـ وبين أن نتصرّف بظاهر القرآن لأنّه لا يمكن التصرّف بمضمون الخبر ؛ لأنّه نصّ أو أظهر ، ولا بسند القرآن لأنّه قطعيّ. ومرجع ذلك إلى الدوران ـ في الحقيقة ـ بين مخالفة الظنّ بصدق الخبر وبين مخالفة الظنّ بعموم الآية. أو فقل : يدور الأمر بين طرح دليل حجّيّة الخبر وبين طرح أصالة العموم ، فأيّ الدليلين أولى بالطرح؟ وأيّهما أولى بالتقديم؟

فنقول : لا شكّ أنّ الخبر صالح لأن يكون قرينة على التصرّف في ظاهر الكتاب ؛ لأنّه بدلالته ناظر ومفسّر لظاهر الكتاب بحسب الفرض ؛ وعلى العكس من ظاهر الكتاب ؛ فإنّه غير صالح لرفع اليد عن دليل حجّيّة الخبر ، لأنّه لا علاقة له فيه من هذه الجهة ـ حسب الفرض ـ حتى يكون ناظرا ومفسّرا له ؛ فالخبر لسانه لسان المبيّن للكتاب ، فيقدّم عليه ، وليس الكتاب بظاهره بصدد بيان دليل حجّيّة الخبر حتّى يقدّم عليه. وإن شئت فقل : إنّ الخبر بحسب الفرض قرينة على الكتاب ، والأصل الجاري في القرينة ـ وهو هنا أصالة عدم كذب الراوي ـ مقدّم على الأصل الجاري في ذي القرينة وهو هنا أصالة العموم.

__________________

(١) كما في المحاضرات ٥ : ٣٠٩. ونسبه الشوكاني إلى جمهور العامّة ، والآمديّ إلى الأئمّة الأربعة ، فراجع إرشاد الفحول : ١٥٨ ، والإحكام ٢ : ٤٧٢.

وذهب الشيخ الطوسيّ إلى عدم جواز تخصيص العامّ الكتابيّ بخبر الواحد ، وهو المحكيّ عن بعض الحنابلة. راجع العدّة ١ : ٣٤٤ ، وإرشاد الفحول : ١٥٨.

(٢) قال الله (تعالى) : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ....﴾

آل عمران (٣) الآية : ٧.