درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۲۲: عام و خاص ۱۶

 

مسألة تقديم الخبر الخاصّ على الآية القرآنيّة العامّة من المسائل المجمع عليها من غير خلاف بين علمائنا (١) ، فما السرّ في ذلك مع ما قلناه؟

نقول : لا ريب في أنّ القرآن الكريم ـ وإن كان قطعيّ السند ـ فيه متشابه ومحكم ، نصّ على ذلك القرآن نفسه (٢) ، والمحكم نصّ وظاهر ، والظاهر منه عامّ ومطلق ؛ كما لا ريب أيضا في أنّه ورد في كلام النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله والأئمّة عليهم‌السلام ما يخصّص كثيرا من عمومات القرآن ، وما يقيّد كثيرا من مطلقاته ، وما يقوم قرينة على صرف جملة من ظواهره ، وهذا قطعيّ لا يشكّ فيه أحد. فإن كان الخبر قطعيّ الصدور فلا كلام في ذلك ، وإن كان غير قطعيّ الصدور وقد قام الدليل القطعيّ على أنّه حجّة شرعا ، لأنّه خبر عادل ـ مثلا ـ ، وكان مضمون الخبر أخصّ من عموم الآية القرآنيّة ، فيدور الأمر بين أن نطرح الخبر ـ بمعنى أن نكذّب راويه ـ وبين أن نتصرّف بظاهر القرآن لأنّه لا يمكن التصرّف بمضمون الخبر ؛ لأنّه نصّ أو أظهر ، ولا بسند القرآن لأنّه قطعيّ. ومرجع ذلك إلى الدوران ـ في الحقيقة ـ بين مخالفة الظنّ بصدق الخبر وبين مخالفة الظنّ بعموم الآية. أو فقل : يدور الأمر بين طرح دليل حجّيّة الخبر وبين طرح أصالة العموم ، فأيّ الدليلين أولى بالطرح؟ وأيّهما أولى بالتقديم؟

فنقول : لا شكّ أنّ الخبر صالح لأن يكون قرينة على التصرّف في ظاهر الكتاب ؛ لأنّه بدلالته ناظر ومفسّر لظاهر الكتاب بحسب الفرض ؛ وعلى العكس من ظاهر الكتاب ؛ فإنّه غير صالح لرفع اليد عن دليل حجّيّة الخبر ، لأنّه لا علاقة له فيه من هذه الجهة ـ حسب الفرض ـ حتى يكون ناظرا ومفسّرا له ؛ فالخبر لسانه لسان المبيّن للكتاب ، فيقدّم عليه ، وليس الكتاب بظاهره بصدد بيان دليل حجّيّة الخبر حتّى يقدّم عليه. وإن شئت فقل : إنّ الخبر بحسب الفرض قرينة على الكتاب ، والأصل الجاري في القرينة ـ وهو هنا أصالة عدم كذب الراوي ـ مقدّم على الأصل الجاري في ذي القرينة وهو هنا أصالة العموم.

__________________

(١) كما في المحاضرات ٥ : ٣٠٩. ونسبه الشوكاني إلى جمهور العامّة ، والآمديّ إلى الأئمّة الأربعة ، فراجع إرشاد الفحول : ١٥٨ ، والإحكام ٢ : ٤٧٢.

وذهب الشيخ الطوسيّ إلى عدم جواز تخصيص العامّ الكتابيّ بخبر الواحد ، وهو المحكيّ عن بعض الحنابلة. راجع العدّة ١ : ٣٤٤ ، وإرشاد الفحول : ١٥٨.

(٢) قال الله (تعالى) : ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ ....﴾

آل عمران (٣) الآية : ٧.

١١. دوران بين التخصيص والنسخ (١)

اعلم أنّ العامّ والخاصّ المنفصل يختلف حالهما من جهة العلم بتأريخهما معا ، أو بتأريخ أحدهما ، أو الجهل بهما معا. فقد يقال في بعض الأحوال بتعيين أن يكون الخاصّ ناسخا للعام ، أو منسوخا له ، أو مخصّصا إيّاه. وقد يقع الشكّ في بعض الصور ، ولتفصيل الحال نقول : إنّ الخاصّ والعامّ من ناحية تأريخ صدورهما لا يخلوان من خمس حالات : فإمّا أن يكونا معلومي التأريخ ، أو مجهولي التأريخ ، أو أحدهما مجهولا والآخر معلوما ، هذه ثلاث صور. ثمّ المعلوم تأريخهما : إمّا أن يعلم تقارنهما عرفا ، أو يعلم تقدّم العامّ ، أو يعلم تأخّر العامّ ؛ فتكون الصور خمسا :

الصورة الأولى

إذا كانا معلومي التأريخ مع العلم بتقارنهما عرفا ؛ فإنّه لا مجال لتوهّم النسخ فيهما.

الصورة الثانية :

إذا كانا معلومي التاريخ مع تقدّم العامّ ، فهذه على صورتين :

١. أن يكون ورود الخاصّ قبل وقت العمل بالعامّ. والظاهر أنّه لا إشكال حينئذ في حمله على التخصيص بغير كلام ، إمّا لأنّ النسخ لا يكون قبل وقت العمل بالمنسوخ كما قيل (٢) ، وإمّا لأنّ الأولى فيه التخصيص ، كما سيأتي في الصورة الآتية.

٢. أن يكون وروده بعد وقت العمل بالعامّ. وهذه الصورة هي أشكل الصور ، وهي التي وقع فيها الكلام في أنّ الخاصّ يجب أن يكون ناسخا (٣) ، أو يجوز أن يكون مخصّصا ولو في بعض الحالات (٤)؟ ومع الجواز يتكلّم حينئذ في أنّ الحمل على التخصيص

__________________

(١) النسخ في اللغة بمعنى الإزالة. وفي الاصطلاح هو رفع أمر ثابت في الشريعة بارتفاع أمده وزمانه.

(٢) هكذا قال الشيخ في مطارح الأنظار : ٢١٢.

(٣) كما في مطارح الأنظار : ٢١٢ ، وكفاية الأصول : ٢٧٦.

(٤) كما في أجود التقريرات ٢ : ٥٠٦ ، والمحاضرات ٥ : ٣٢٢ ـ ٣٢٣.