درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۲۴: عام و خاص ۱۸

 

هو الأولى ، أو الحمل على النسخ؟

فالذي يذهب إلى وجوب أن يكون الخاصّ ناسخا فهو ناظر إلى أنّ العامّ لمّا ورد وحلّ وقت العمل به ـ بحسب الفرض ـ فتأخير الخاصّ عن وقت العمل لو كان مخصّصا ومبيّنا لعموم العامّ يكون من باب تأخير البيان عن وقت الحاجة ، وهو قبيح من الحكيم ؛ لأنّ فيه إضاعة للأحكام ولمصالح العباد بلا مبرّر ، فوجب أن يكون ناسخا للعامّ ، والعامّ باق على عمومه يجب العمل به إلى حين ورود الخاصّ ، فيجب العمل ثانيا على طبق الخاصّ.

وأمّا من ذهب إلى جواز كونه مخصّصا فلعلّه ناظر إلى أنّ العامّ يجوز أن يكون واردا لبيان حكم ظاهريّ صوريّ لمصلحة اقتضت كتمان الحكم الواقعيّ ، ولو مصلحة التقيّة ، أو مصلحة التدرّج في بيان الأحكام ، كما هو المعلوم من طريقة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله في بيان أحكام الشريعة ، مع أنّ الحكم الواقعيّ التابع للمصالح الواقعيّة الثابتة للأشياء بعناوينها الأوّلية إنّما هو على طبق الخاصّ ، فإذا جاء الخاصّ يكون كاشفا عن الحكم الواقعيّ ، فيكون مبيّنا للعامّ ومخصّصا له ، وأمّا الحكم العامّ الذي ثبت أوّلا ظاهرا وصورة إن كان قد ارتفع وانتهى أمده ، فإنّه إنّما ارتفع لارتفاع موضوعه ، وليس هو من باب النسخ (١).

وإذا جاز أن يكون العامّ واردا على هذا النحو من بيان الحكم ظاهرا وصورة فإن ثبت ذلك ، كان الخاصّ مخصّصا ، أي كان كاشفا عن الواقع قطعا ، وإن ثبت أنّه في صدد بيان الحكم الواقعيّ التابع للمصالح الواقعيّة الثابتة للأشياء بعناوينها الأوّليّة ، فلا شكّ في أنّه يتعيّن كون الخاصّ ناسخا له.

وأمّا لو دار الأمر بينهما إذ لم يقم دليل على تعيين أحدهما ، فأيّهما أرجح في الحمل؟

فنقول : الأقرب إلى الصواب هو الحمل على التخصيص.

والوجه فيه : أنّ أصالة العموم ـ بما هي ـ لا تثبت أكثر من أنّ ما يظهر من العامّ هو المراد الجدّيّ للمتكلّم ، ولا شكّ أنّ الحكم الصّوريّ ـ الذي نسمّيه بـ «الحكم الظاهريّ» ـ كالواقعيّ مراد جدّيّ للمتكلّم ؛ لأنّه مقصود بالتفهيم ؛ فالعامّ ليس ظاهرا إلاّ في أنّ المراد الجدّي هو العموم ، سواء كان العموم حكما واقعيّا أو صوريّا ؛ أمّا أنّ الحكم واقعيّ

__________________

(١) هكذا أفاد المحقّق الخوئيّ في المحاضرات ٥ : ٣٢٠ ـ ٣٢٣.

فلا يقتضيه الظهور أبدا حتّى يثبت بأصالة العموم ، لا سيّما أنّ المعلوم من طريقة صاحب الشريعة هو بيان العمومات مجرّدة عن قرائن التخصيص ، ويكشف المراد الواقعيّ منها بدليل منفصل ، حتى اشتهر القول بأنّه «ما من عامّ إلاّ وقد خصّ» ، كما سبق (١).

وعليه ، فلا دليل من أصالة العموم على أنّ الحكم واقعيّ حتّى نلتجئ إلى الحمل على النسخ ، بل إرادة الحكم الواقعيّ من العامّ على ذلك الوجه يحتاج إلى مئونة بيان زائد أكثر من ظهور العموم. ولأجل هذا قلنا : إنّ الحمل على التخصيص أقرب إلى الصواب من الحمل على النسخ ، وإن كان كلّ منهما ممكنا.

الصورة الثالثة

إذا كانا معلومي التاريخ مع تقدّم الخاصّ ، فهذه أيضا على صورتين :

١. أن يرد العامّ قبل وقت العمل بالخاصّ ، فلا ينبغي الإشكال في كون الخاصّ مخصّصا ؛ (٢)

٢. أن يرد بعد وقت العمل بالخاصّ ، فلا مجال لتوهّم وجوب الحمل على النسخ من جهة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة ؛ لأنّه من باب تقديم البيان قبل وقت الحاجة ، ولا قبح فيه أصلا. ومع ذلك قيل بلزوم الحمل على النسخ (٣) ؛ ولعلّ نظر هذا القائل إلى أنّ أصالة العموم جارية ، ولا مانع منها إلاّ احتمال أن يكون الخاصّ المتقدّم مخصّصا وقرينة على العامّ ، ولكن أيضا يحتمل أن يكون منسوخا بالعامّ ، فلا يحرز أنّه من باب القرينة. ولا شكّ أنّ الخاصّ المنفصل إنّما يقدّم على العامّ لأنّه أقوى الحجّتين وقرينة عليه. ومع هذا الاحتمال لا يكون الخاصّ المنفصل أقوى في الظهور من العامّ.

قلت : الأصوب أن يحمل على التخصيص ، كالصورة السابقة ؛ لما تقدّم من أنّ العامّ

__________________

(١) تقدّم في الصفحة : ١٧٠.

(٢) وذلك لأنّه لا مقتضي للنسخ أصلا ، وإلاّ لزم كون جعل الحكم لغوا ، وهو لا يمكن من المولى الحكيم.

(٣) والقائل هو الشيخ الطوسيّ على ما في معارج الأصول : ٩٨ ، حيث قال : «فعند الشيخ أبي جعفر يكون العامّ ناسخا ؛ لأنّه لا يجيز تأخير البيان».