درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۲۵: عام و خاص ۱۹

 

فلا يقتضيه الظهور أبدا حتّى يثبت بأصالة العموم ، لا سيّما أنّ المعلوم من طريقة صاحب الشريعة هو بيان العمومات مجرّدة عن قرائن التخصيص ، ويكشف المراد الواقعيّ منها بدليل منفصل ، حتى اشتهر القول بأنّه «ما من عامّ إلاّ وقد خصّ» ، كما سبق (١).

وعليه ، فلا دليل من أصالة العموم على أنّ الحكم واقعيّ حتّى نلتجئ إلى الحمل على النسخ ، بل إرادة الحكم الواقعيّ من العامّ على ذلك الوجه يحتاج إلى مئونة بيان زائد أكثر من ظهور العموم. ولأجل هذا قلنا : إنّ الحمل على التخصيص أقرب إلى الصواب من الحمل على النسخ ، وإن كان كلّ منهما ممكنا.

الصورة الثالثة

إذا كانا معلومي التاريخ مع تقدّم الخاصّ ، فهذه أيضا على صورتين :

١. أن يرد العامّ قبل وقت العمل بالخاصّ ، فلا ينبغي الإشكال في كون الخاصّ مخصّصا ؛ (٢)

٢. أن يرد بعد وقت العمل بالخاصّ ، فلا مجال لتوهّم وجوب الحمل على النسخ من جهة قبح تأخير البيان عن وقت الحاجة ؛ لأنّه من باب تقديم البيان قبل وقت الحاجة ، ولا قبح فيه أصلا. ومع ذلك قيل بلزوم الحمل على النسخ (٣) ؛ ولعلّ نظر هذا القائل إلى أنّ أصالة العموم جارية ، ولا مانع منها إلاّ احتمال أن يكون الخاصّ المتقدّم مخصّصا وقرينة على العامّ ، ولكن أيضا يحتمل أن يكون منسوخا بالعامّ ، فلا يحرز أنّه من باب القرينة. ولا شكّ أنّ الخاصّ المنفصل إنّما يقدّم على العامّ لأنّه أقوى الحجّتين وقرينة عليه. ومع هذا الاحتمال لا يكون الخاصّ المنفصل أقوى في الظهور من العامّ.

قلت : الأصوب أن يحمل على التخصيص ، كالصورة السابقة ؛ لما تقدّم من أنّ العامّ

__________________

(١) تقدّم في الصفحة : ١٧٠.

(٢) وذلك لأنّه لا مقتضي للنسخ أصلا ، وإلاّ لزم كون جعل الحكم لغوا ، وهو لا يمكن من المولى الحكيم.

(٣) والقائل هو الشيخ الطوسيّ على ما في معارج الأصول : ٩٨ ، حيث قال : «فعند الشيخ أبي جعفر يكون العامّ ناسخا ؛ لأنّه لا يجيز تأخير البيان».

لا يدلّ على أكثر من أنّ المراد جديّ ، ولا يدلّ في نفسه على أنّ الحكم واقعيّ تابع للمصالح الواقعيّة الثابتة للأشياء بعناوينها الأوّليّة ، وإنّما يكون العامّ ناسخا للخاصّ إذا كانت دلالته على هذا النحو ، وإلاّ فالعمومات الواردة في الشريعة على الأغلب ليست كذلك. وأمّا احتمال النسخ فلا يقلّل من ظهور الخاصّ في نفسه قطعا ، كما لا يرفع حجّيّته فيما هو ظاهر فيه ، فلا يخرجه عن كونه صالحا لتخصيص العامّ ، فيقدّم عليه ؛ لأنّه أقوى في نفسه ظهورا.

بل يمكن أن يقال : إنّ العامّ اللاحق للخاصّ لا ينعقد له ظهور في العموم إلاّ بدويّا بالنسبة إلى من لا يعلم بسبق الخاصّ ، لجواز أن يعتمد المتكلّم في بيان مراده على سبقه ، فيكون المخصّص السابق كالمخصّص المتّصل أو كالقرينة الحاليّة ، فلا يكون العامّ ظاهرا في العموم حتّى يتوهّم أنّه ظاهر في ثبوت الحكم الواقعيّ.

الصورتان : الرابعة والخامسة

إذا كانا مجهولي التأريخ أو أحدهما فقط كان مجهولا ؛ فإنّه يعلم الحال فيهما ممّا تقدّم ، فيحمل على التخصيص بلا كلام. ولا وجه لتوهّم النسخ ، لا سيّما بعد أن رجّحنا التخصيص في جميع الصور ، وهذا واضح لا يحتاج إلى مزيد بيان.

تمرينات (٢٦)

١. بيّن محلّ النزاع في مسألة تخصيص العامّ بالمفهوم.

٢. بيّن الأقوال في المقام ، واذكر الحقّ منها.

٣. هل يجوز تخصيص عمومات القرآن بخبر الواحد أم لا؟

٤. بيّن صور العامّ والخاصّ من ناحية تاريخ صدورهما ، واذكر أحكامها مستدلاّ.

الباب السادس

المطلق والمقيّد

وفيه ستّ مسائل :

المسألة الأولى : معنى المطلق والمقيّد

عرّفوا المطلق بـ «أنّه ما دلّ على معنى شائع في جنسه (١)» ويقابله المقيّد. وهذا التعريف قديم بحثوا عنه كثيرا وأحصوا عليه عدّة مؤاخذات يطول شرحها (٢). ولا فائدة في ذكرها ما دام أنّ الغرض من مثل هذا التعريف هو تقريب المعنى الذي وضع له اللفظ ؛ لأنّه من التعاريف اللفظيّة (٣).

والظاهر أنّه ليس للأصوليّين اصطلاح خاصّ في لفظي المطلق والمقيّد ، بل هما مستعملان بما لهما من المعنى في اللغة ، فإنّ المطلق مأخوذ من «الإطلاق» ، وهو الإرسال والشيوع ، ويقابله التقييد تقابل الملكة وعدمها ، والملكة : التقييد ، والإطلاق : عدمها (٤) ، وقد تقدّم (٥).

غاية الأمر أنّ إرسال كلّ شيء بحسبه وما يليق به. فإذا نسب الإطلاق والتقييد إلى اللفظ ـ كما هو المقصود في المقام ـ فإنّما يراد ذلك بحسب ما له من دلالة على المعنى فيكونان وصفين للّفظ باعتبار المعنى.

__________________

(١) هذا التعريف نسبه المحقّق القمي إلى أكثر الأصوليّين. راجع قوانين الأصول ١ : ٣٢١.

(٢) وإن شئت فراجع : الفصول الغرويّة : ٢١٨ ؛ فوائد الأصول ٢ : ٥٦٢ ؛ مناهج الوصول ٢ : ٢١٣.

(٣) كما في كفاية الأصول : ٢٨٢.

(٤) والقول بأنّ التقابل بينهما تقابل الملكة وعدمها منسوب إلى سلطان العلماء ومن تبعه من المتأخّرين كما في فوائد الأصول ٢ : ٥٦٥. وفي المقام أقوال أخر ذكرناها في هامش (٢) من الصفحة : ٩١.

(٥) تقدّم في الصفحة : ٩١.