درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۲۷: مطلق و مقید ۲

 

بقصد الامتثال يستلزم امتناع إطلاقه بالنسبة إلى هذا القيد. وذكرنا هناك كيف يمكن استكشاف إرادة الإطلاق بإطلاق المقام لا بإطلاق الكلام الواحد.

المسألة الثالثة : الإطلاق في الجمل

الإطلاق لا يختصّ بالمفردات ـ كما يظهر من كلمات الاصوليّين ـ ، إذ مثّلوا للمطلق باسم الجنس وعلم الجنس والنكرة (١) ، بل يكون في الجمل أيضا ، كإطلاق صيغة «افعل» الذي يقتضي استفادة الوجوب العينيّ والتعيينيّ والنفسيّ ، فإنّ الإطلاق فيها إنّما هو من نوع إطلاق الجملة. ومثله إطلاق الجملة الشرطيّة في استفادة الانحصار في الشرط.

ولكن محلّ البحث في المسائل الآتية خصوص الألفاظ المفردة ، ولعلّ عدم شمول البحث عندهم للجمل باعتبار أن ليس هناك ضابط كلّيّ لمطلقاتها (٢) وإن كان الأصحّ أنّ بحث مقدّمات الحكمة يشملها. وقد بحث عن إطلاق بعض الجمل في مناسباتها ، كإطلاق صيغة «افعل» والجملة الشرطيّة ونحوها.

تمرينات (٢٧)

١. ما تعريف المطلق والمقيّد؟ ايت بمثال لكلّ منهما.

٢. التقابل بين الإطلاق والتقييد من أيّ أقسام التقابل؟

٣. ما الوجه في عدم شمول البحث لإطلاق الجمل؟

__________________

(١) راجع كفاية الأصول : ٢٨٢ ـ ٢٨٦.

(٢) كما في فوائد الأصول ٢ : ٥٦٣.

أقول : ولعلّه باعتبار أنّ المراد من الإطلاق المستند في باب الأوامر وأمثاله غير المراد من الإطلاق المصطلح في باب المطلق والمقيّد ، وذلك لأنّ المراد من الإطلاق في باب الأوامر ـ مثلا ـ هو الاستناد إلى القرينة العدميّة لتعيين أحد القسمين ـ وهو الوجوب النفسيّ والعينيّ والتعيينيّ ـ ، بخلاف الإطلاق المصطلح في باب المطلق والمقيّد ، فإنّ مصبّه الجامع بين الأقسام وأثره كون المجعول الجامع بين الأفراد.

المسألة الرابعة : هل الإطلاق بالوضع؟

لا شكّ في أنّ الإطلاق في الأعلام بالنسبة إلى الأحوال ـ كما قدّمت الإشارة إليه ـ ليس بالوضع ، بل إنّما يستفاد من مقدّمات الحكمة.

وكذلك إطلاق الجمل وما شابهها ـ أيضا ـ ليس بالوضع بل بمقدّمات الحكمة ؛ وهذا لا خلاف فيه.

وإنّما الذي وقع فيه البحث هو أنّ الإطلاق في أسماء الأجناس وما شابهها هل هو بالوضع أو بمقدّمات الحكمة؟ أي إنّ أسماء الأجناس هل هي موضوعة لمعانيها بما هي شائعة ومرسلة على وجه يكون الإرسال ـ أي الإطلاق ـ مأخوذا في المعنى الموضوع له اللفظ ـ كما نسب إلى المشهور من القدماء قبل سلطان العلماء قدس‌سره (١) ـ أو أنّها موضوعة لنفس المعاني بما هى ، والإطلاق يستفاد من دالّ آخر ، وهو نفس تجرّد اللفظ من القيد إذا كانت مقدّمات الحكمة متوفّرة فيه؟ وهذا القول الثاني أوّل من صرّح به فيما نعلم سلطان العلماء قدس‌سره في حاشيته على معالم الأصول (٢) ، وتبعه جميع من تأخّر عنه إلى يومنا هذا. (٣)

وعلى القول الأوّل يكون استعمال اللفظ في المقيّد مجازا ، وعلى القول الثاني يكون حقيقة.

والحقّ ما ذهب إليه سلطان العلماء قدس‌سره ، بل قيل : «إنّ نسبة القول الأوّل إلى المشهور مشكوك فيها». ولتوضيح هذا القول وتحقيقه ينبغي بيان أمور ثلاثة تنفع في هذا الباب وفي غير هذا الباب (٤). وبها تكشف للطالب ما وقع للعلماء الأعلام من الاختلاف في التعبير

__________________

(١) نسب إليهم في فوائد الأصول ٢ : ٥٦٤ و ٥٦٦ ، ونهاية الأفكار ، ٢ : ٥٦٠.

(٢) طبعت هذه الحاشية ضمن المعالم المطبوع سنة ١٣٧٨ ، المكتبة العلميّة الإسلاميّة : ١٥٥.

(٣) راجع مطارح الأنظار : ٢١٨ ؛ كفاية الأصول : ٢٨٧ ، فوائد الأصول ٢ : ٥٦٦ ؛ نهاية الأفكار ٢ : ٥٦٣ ؛ المحاضرات ٥ : ٣٦٣.

(٤) وقد اضطررنا إلى الخروج عن الطريقة التي رسمناها لأنفسنا في هذا الكتاب في الاختصار. ونعتقد أنّ الطالب المبتدئ الذي ينتهي إلى هنا يكون على استعداد كاف لفهم هذه الأبحاث. واضطررنا لهذا البحث باعتبار ما له من حاجة ماسّة في فهم الطالب لكثير من الأبحاث التي قد ترد عليه فيما يأتي. ـ منه رحمه‌الله ـ.

بل في الرأي والنظر. وهذه الأمور التي ينبغي بيانها هي كما يلي :

١. اعتبارات الماهيّة

المشهور أنّ للماهيّة ثلاثة اعتبارات إذا قيست إلى ما هو خارج عن ذاتها (١) ، كما إذا قيست الرقبة إلى الإيمان عند الحكم عليها بحكم ما ، كوجوب العتق. وهى :

١. أن تعتبر الماهيّة مشروطة بذلك الأمر الخارج. وتسمّى حينئذ «الماهيّة بشرط شيء» ، كما إذا كان يجب عتق الرقبة المؤمنة ، أي بشرط كونها مؤمنة.

٢. أن تعتبر مشروطة بعدمه. وتسمّى «الماهيّة بشرط لا» (٢) ، كما إذا كان القصر واجبا في الصلاة على المسافر غير العاصي بسفره ، أي بشرط عدم كونه عاصيا لله بسفره ، فأخذ عدم العصيان قيدا في موضوع الحكم.

٣. ألاّ تعتبر مشروطة بوجوده ولا بعدمه ، وتسمّى «الماهيّة لا بشرط» ، كوجوب الصلاة على الإنسان باعتبار كونه حرّا ـ مثلا ـ ، فإنّ الحرّيّة غير معتبرة لا بوجودها ولا بعدمها في وجوب الصلاة ؛ لأنّ الإنسان بالنظر الى الحرّيّة في وجوب الصلاة عليه غير مشروط بالحرّيّة ولا بعدمها ، فهو لا بشرط القياس إليها.

ويسمّى هذا الاعتبار الثالث «اللابشرط القسميّ (٣)» في قبال «اللابشرط المقسميّ» الآتي ذكره. وإنّما سمّي «قسميّا» ؛ لأنّه قسم في مقابل القسمين الأوّلين ، أي [الماهيّة] بشرط شيء و [الماهيّة] بشرط لا ، وهذا ظاهر لا بحث فيه.

ثم إنّ لهم اصطلاحين آخرين معروفين :

١. قولهم : «الماهيّة المهملة».

٢. قولهم : «الماهيّة لا بشرط مقسميّ».

__________________

(١) راجع كشف المراد : ٨٦ ـ ٨٨ ؛ الحكمة المتعالية (الأسفار) ٢ : ١٦ ـ ٢٢ ؛ شرح المنظومة (قسم الحكمة) : ٩٥.

(٢) وقد يقال : «الماهية بشرط لا شيء» ويقصدون بذلك الماهية المجرّدة على وجه يكون كلّ ما يقارنها يعتبر زائدا عليها. ـ منه رحمه‌الله ـ.

(٣) ويسمّى أيضا «الماهيّة المطلقة» كما يسمّى الماهيّة بشرط شيء «الماهيّة المخلوطة» ، والماهيّة بشرط لا «الماهيّة المجرّدة».