درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۲۸: مطلق و مقید ۳

 

بل في الرأي والنظر. وهذه الأمور التي ينبغي بيانها هي كما يلي :

١. اعتبارات الماهيّة

المشهور أنّ للماهيّة ثلاثة اعتبارات إذا قيست إلى ما هو خارج عن ذاتها (١) ، كما إذا قيست الرقبة إلى الإيمان عند الحكم عليها بحكم ما ، كوجوب العتق. وهى :

١. أن تعتبر الماهيّة مشروطة بذلك الأمر الخارج. وتسمّى حينئذ «الماهيّة بشرط شيء» ، كما إذا كان يجب عتق الرقبة المؤمنة ، أي بشرط كونها مؤمنة.

٢. أن تعتبر مشروطة بعدمه. وتسمّى «الماهيّة بشرط لا» (٢) ، كما إذا كان القصر واجبا في الصلاة على المسافر غير العاصي بسفره ، أي بشرط عدم كونه عاصيا لله بسفره ، فأخذ عدم العصيان قيدا في موضوع الحكم.

٣. ألاّ تعتبر مشروطة بوجوده ولا بعدمه ، وتسمّى «الماهيّة لا بشرط» ، كوجوب الصلاة على الإنسان باعتبار كونه حرّا ـ مثلا ـ ، فإنّ الحرّيّة غير معتبرة لا بوجودها ولا بعدمها في وجوب الصلاة ؛ لأنّ الإنسان بالنظر الى الحرّيّة في وجوب الصلاة عليه غير مشروط بالحرّيّة ولا بعدمها ، فهو لا بشرط القياس إليها.

ويسمّى هذا الاعتبار الثالث «اللابشرط القسميّ (٣)» في قبال «اللابشرط المقسميّ» الآتي ذكره. وإنّما سمّي «قسميّا» ؛ لأنّه قسم في مقابل القسمين الأوّلين ، أي [الماهيّة] بشرط شيء و [الماهيّة] بشرط لا ، وهذا ظاهر لا بحث فيه.

ثم إنّ لهم اصطلاحين آخرين معروفين :

١. قولهم : «الماهيّة المهملة».

٢. قولهم : «الماهيّة لا بشرط مقسميّ».

__________________

(١) راجع كشف المراد : ٨٦ ـ ٨٨ ؛ الحكمة المتعالية (الأسفار) ٢ : ١٦ ـ ٢٢ ؛ شرح المنظومة (قسم الحكمة) : ٩٥.

(٢) وقد يقال : «الماهية بشرط لا شيء» ويقصدون بذلك الماهية المجرّدة على وجه يكون كلّ ما يقارنها يعتبر زائدا عليها. ـ منه رحمه‌الله ـ.

(٣) ويسمّى أيضا «الماهيّة المطلقة» كما يسمّى الماهيّة بشرط شيء «الماهيّة المخلوطة» ، والماهيّة بشرط لا «الماهيّة المجرّدة».

أفهذان اصطلاحان وتعبيران لمدلول واحد ، أو هما اصطلاحان مختلفان في المعنى؟

والذي يلجئنا إلى هذا الاستفسار ما وقع من الارتباك في التعبير عند كثير من مشايخنا الأعلام فقد يظهر من بعضهم أنّهما اصطلاحان لمعنى واحد ، كما هو ظاهر كفاية الأصول (١) تبعا لبعض الفلاسفة الأجلاّء (٢).

ولكن التحقيق لا يساعد على ذلك ، بل هما اصطلاحان مختلفان. وهذا جوابنا على الاستفسار.

وتوضيح ذلك : أنّه من المتسالم عليه ـ الذي لا اختلاف فيه ولا اشتباه ـ أمران :

الأوّل : أنّ المقصود من «الماهيّة المهملة» الماهيّة من حيث هي ، أي نفس الماهية بما هي مع قطع النظر عن جميع ما عداها ، فيقتصر النظر على ذاتها وذاتيّاتها.

الثانى : أنّ المقصود من «الماهيّة لا بشرط مقسميّ» الماهيّة المأخوذة لا بشرط التي تكون مقسما للاعتبارات الثلاثة المتقدّمة ، وهي ـ أي الاعتبارات الثلاثة ـ الماهيّة بشرط شيء ، وبشرط لا ، ولا بشرط قسميّ. ومن هنا سمي : «مقسما».

وإذا ظهر ذلك فلا يصحّ أن يدّعى أنّ الماهيّة بما هي هي تكون بنفسها مقسما للاعتبارات الثلاثة ؛ وذلك ؛ لأنّ الماهيّة لا تخلو من حالتين ، وهما : أن ينظر إليها ـ بما هي هي ـ غير مقيسة إلى ما هو خارج عن ذاتها ، وأن ينظر إليها مقيسة إلى ما هو خارج عن ذاتها ، ولا ثالث لهما.

وفي الحالة الأولى تسمّى «الماهيّة المهملة» ، كما هو مسلّم. وفي الثانية لا يخلو حالها من أحد الاعتبارات الثلاثة.

وعلى هذا فالملاحظة الأولى مباينة لجميع الاعتبارات الثلاثة وتكون قسمية لها ، فكيف يصحّ أن تكون مقسما لها؟ ولا يصحّ أن يكون الشيء مقسما لاعتبارات نقيضه ؛ لأنّ الماهيّة من حيث هي ـ كما اتّضح معناها ـ ملاحظتها غير مقيسة إلى الغير ، والاعتبارات الثلاثة ملاحظتها مقيسة إلى الغير؟! على أنّ اعتبار الماهيّة غير مقيسة اعتبار

__________________

(١) كفاية الأصول : ٢٨٣.

(٢) وهو الحكيم السبزواريّ في شرح المنظومة «قسم المنطق» : ٢٢ ، و «قسم الحكمة» : ٩٧.