درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۳۶: مجمل و مبین ۲

 

مشروعيّته. ومثل ما إذا فعل الإمام شيئا في الصلاة كجلسة الاستراحة ـ مثلا ـ فلا يدرى أنّ فعله كان على وجه الوجوب أو الاستحباب ، فمن هذه الناحية يكون مجملا ، وإن كان من ناحية دلالته على جواز الفعل في مقابل الحرمة مبيّنا.

وأمّا اللفظ : فإجماله يكون لأسباب كثيرة قد يتعذّر إحصاؤها (١) ؛ فإذا كان مفردا فقد يكون إجماله لكونه لفظا مشتركا ولا قرينة على أحد معانيه ، كلفظ «عين» ، وكلمة «تضرب» المشتركة بين المخاطب والغائبة ، و «المختار» المشترك بين اسم الفاعل واسم المفعول.

وقد يكون إجماله لكونه مجازا ، أو لعدم معرفة عود الضمير فيه الذي هو من نوع «مغالطة المماراة» ، مثل قول القائل لمّا سئل عن أفضل أصحاب النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله ، فقال : «من بنته في بيته» وكقول عقيل : «أمرني معاوية أن أسبّ عليّا. ألا فالعنوه! (٢)».

وقد يكون الإجمال لاختلال التركيب كقوله :

وما مثله في الناس إلاّ مملّكا

أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه

وقد يكون الإجمال لوجود ما يصلح للقرينة ، كقوله (تعالى) : ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾ (٣) الآية ، فإنّ هذا الوصف في الآية يدلّ على عدالة جميع من كان مع النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله من أصحابه ، إلاّ أنّ ذيل الآية ﴿وَعَدَ اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً﴾ (٤) صالح لأن يكون قرينة على أنّ المراد بجملة «والّذين معه» بعضهم لا جميعهم ، فتصبح الآية مجملة من هذه الجهة.

وقد يكون الإجمال لكون المتكلّم في مقام الإهمال والإجمال ، إلى غير ذلك من موارد الإجمال ممّا لا فائدة كبيرة في إحصائه وتعداده هنا.

__________________

(١) وإن أردت إحصاء بعض أسبابها ، فراجع كتاب المنطق «للمؤلّف» ، ٣ : ٤٢١.

(٢) لم أجده في المصادر الحديثيّة ، بل الموجود في كتاب «الغدير» هو : «أمرني أن ألعن عليّ بن أبي طالب ، فالعنوه» ، الغدير ١٠ : ٢٦١.

(٣) الفتح (٤٨) الآية : ٢٩.

(٤) الفتح (٤٨) الآية : ٢٩.

ثمّ اللفظ قد يكون مجملا عند شخص ، مبيّنا عند شخص آخر ، ثمّ المبيّن قد يكون في نفسه مبيّنا ، وقد يكون مبيّنا بكلام آخر يوضح المقصود منه.

٢. المواضع التي وقع الشكّ في إجمالها

لكلّ من المجمل والمبيّن أمثلة من الآيات والروايات والكلام العربيّ لا حصر لها ، ولا تخفى على العارف بالكلام. إلاّ أنّ بعض المواضع قد وقع الشكّ في كونها مجملة أو مبيّنة ، والمتعارف عند الأصوليّين أن يذكروا بعض الأمثلة من ذلك لشحذ الذهن والتمرين ، ونحن نذكر بعضها اتّباعا لهم ولا تخلو من فائدة للطلاّب المبتدئين.

فمنها : قوله (تعالى) : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (١)﴾.

فقد ذهب جماعة (٢) إلى أنّ الآية من المجمل المتشابه ، إمّا من جهة لفظ «القطع» باعتبار أنّه يطلق على الإبانة ، ويطلق على الجرح كما يقال لمن جرح يده بالسكين : «قطعها» ، كما يقال لمن أبانها كذلك. وإمّا من جهة لفظ «اليد» باعتبار أنّ «اليد» تطلق على العضو المعروف كلّه ، وعلى الكفّ إلى أصول الأصابع ، وعلى العضو إلى الزند ، وإلى المرفق ، فيقال ـ مثلا ـ : «تناولت بيدي» ، وإنّما تناول بالكفّ بل بالأنامل فقط.

والحقّ أنّها من ناحية لفظ «القطع» ليست مجملة ؛ لأنّ المتبادر من لفظ «القطع» هو الإبانة والفصل ، وإذا أطلق على الجرح فباعتبار أنّه أبان قسما من اليد ، فتكون المسامحة في لفظ «اليد» عند وجود القرينة ، لا أنّ القطع استعمل في مفهوم الجرح ؛ فيكون المراد في المثال من اليد بعضها ، كما تقول : «تناولت بيدي» وفي الحقيقة إنّما تناولت ببعضها.

وأمّا من ناحية «اليد» فإنّ الظاهر أنّ اللفظ ـ لو خلّي ونفسه ـ يستفاد منه إرادة تمام العضو المخصوص ، ولكنّه غير مراد يقينا في الآية ، فيتردّد بين المراتب العديدة من الأصابع إلى المرفق ؛ لأنّه بعد فرض عدم إرادة تمام العضو لم تكن ظاهرة في واحدة من

__________________

(١) المائدة (٥) الآية : ٣٨.

(٢) وهي بعض الحنفيّة على ما في إرشاد الفحول : ١٧٠. وذهب السيّد المرتضى إلى إجماله من جهة لفظ اليد.

راجع الذريعة إلى أصول الشريعة ١ : ٣٥٠.