درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۳۷: مجمل و مبین ۳

 

ثمّ اللفظ قد يكون مجملا عند شخص ، مبيّنا عند شخص آخر ، ثمّ المبيّن قد يكون في نفسه مبيّنا ، وقد يكون مبيّنا بكلام آخر يوضح المقصود منه.

٢. المواضع التي وقع الشكّ في إجمالها

لكلّ من المجمل والمبيّن أمثلة من الآيات والروايات والكلام العربيّ لا حصر لها ، ولا تخفى على العارف بالكلام. إلاّ أنّ بعض المواضع قد وقع الشكّ في كونها مجملة أو مبيّنة ، والمتعارف عند الأصوليّين أن يذكروا بعض الأمثلة من ذلك لشحذ الذهن والتمرين ، ونحن نذكر بعضها اتّباعا لهم ولا تخلو من فائدة للطلاّب المبتدئين.

فمنها : قوله (تعالى) : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما (١)﴾.

فقد ذهب جماعة (٢) إلى أنّ الآية من المجمل المتشابه ، إمّا من جهة لفظ «القطع» باعتبار أنّه يطلق على الإبانة ، ويطلق على الجرح كما يقال لمن جرح يده بالسكين : «قطعها» ، كما يقال لمن أبانها كذلك. وإمّا من جهة لفظ «اليد» باعتبار أنّ «اليد» تطلق على العضو المعروف كلّه ، وعلى الكفّ إلى أصول الأصابع ، وعلى العضو إلى الزند ، وإلى المرفق ، فيقال ـ مثلا ـ : «تناولت بيدي» ، وإنّما تناول بالكفّ بل بالأنامل فقط.

والحقّ أنّها من ناحية لفظ «القطع» ليست مجملة ؛ لأنّ المتبادر من لفظ «القطع» هو الإبانة والفصل ، وإذا أطلق على الجرح فباعتبار أنّه أبان قسما من اليد ، فتكون المسامحة في لفظ «اليد» عند وجود القرينة ، لا أنّ القطع استعمل في مفهوم الجرح ؛ فيكون المراد في المثال من اليد بعضها ، كما تقول : «تناولت بيدي» وفي الحقيقة إنّما تناولت ببعضها.

وأمّا من ناحية «اليد» فإنّ الظاهر أنّ اللفظ ـ لو خلّي ونفسه ـ يستفاد منه إرادة تمام العضو المخصوص ، ولكنّه غير مراد يقينا في الآية ، فيتردّد بين المراتب العديدة من الأصابع إلى المرفق ؛ لأنّه بعد فرض عدم إرادة تمام العضو لم تكن ظاهرة في واحدة من

__________________

(١) المائدة (٥) الآية : ٣٨.

(٢) وهي بعض الحنفيّة على ما في إرشاد الفحول : ١٧٠. وذهب السيّد المرتضى إلى إجماله من جهة لفظ اليد.

راجع الذريعة إلى أصول الشريعة ١ : ٣٥٠.

هذه المراتب ، فتكون الآية مجملة في نفسها من هذه الناحية ، وإن كانت مبيّنة بالأحاديث عن آل البيت عليهم‌السلام الكاشفة عن إرادة القطع من أصول الأصابع.

ومنها : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب (١)» وأمثاله من المركّبات التي تشتمل على كلمة «لا» التي لنفي الجنس نحو : «لا صلاة إلاّ بطهور (٢)» ، و «لا بيع إلاّ في ملك (٣)» ، و «لا صلاة لمن جاره المسجد إلاّ في المسجد (٤)» ، و «لا غيبة لفاسق (٥)» ، و «لا جماعة في نافلة (٦)» ، ونحو ذلك.

فإنّ النفي في مثل هذه المركّبات موجّه ظاهرا لنفس الماهيّة والحقيقة ، وقالوا : إنّ إرادة نفي الماهيّة متعذّر فيها ، فلا بدّ أن يقدّر ـ بطريق المجاز ـ وصف للماهيّة هو المنفيّ حقيقة ، نحو : الصحّة ، والكمال ، والفضيلة ، والفائدة ، ونحو ذلك. ولمّا كان المجاز مردّدا بين عدّة معان ، كان الكلام مجملا ، ولا قرينة في نفس اللفظ تعيّن واحدا منها ، فإنّ نفي الصحّة ليس بأولى من نفي الكمال أو الفضيلة ، ولا نفي الكمال بأولى من نفي الفائدة ... وهكذا.

وأجاب بعضهم (٧) بأنّ هذا إنّما يتمّ إذا كانت ألفاظ العبادات والمعاملات موضوعة للأعمّ ، فلا يمكن فيها نفي الحقيقة.

وأمّا : إذا قلنا بالوضع للصحيح فلا يتعذّر نفي الحقيقة ، بل هو المتعيّن على الأكثر ، فلا إجمال.

وأمّا : في غير الألفاظ الشرعيّة مثل قولهم : «لا علم إلاّ بعمل» فمع عدم القرينة يكون

__________________

(١) هذا مفاد الروايات الواردة في باب وجوب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة. الوسائل ٤ : ٧٣٢ ، الباب ١ من أبواب القراءة في الصلاة.

(٢) الوسائل ١ : ٢٥٦ ، الباب ١ من أبواب الوضوء ، الحديث : ١ و ٦.

(٣) وهذا مستفاد من الروايات الواردة في باب اشتراط كون المبيع مملوكا. الوسائل ٢ : ٢٤٨ ـ ٢٤٩.

(٤) وهذا مفاد الروايات الدالّة على كراهة تأخّر جيران المسجد عنه. الوسائل ٣ : ٤٧٨ ، الباب ٢ من أبواب أحكام المسجد ؛ و ٥ : ٣٧٥ ـ ٣٧٧ ، الباب ٢ من أبواب صلاة الجماعة.

(٥) بحار الأنوار ٧٥ : ٢٣٣.

(٦) الوسائل ٥ : ١٨٢ ، الباب ٧ من أبواب نافلة شهر رمضان.

(٧) وهو المحقّق القميّ في القوانين ١ : ٣٣٨.