درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۳۸: مجمل و مبین ۴

 

هذه المراتب ، فتكون الآية مجملة في نفسها من هذه الناحية ، وإن كانت مبيّنة بالأحاديث عن آل البيت عليهم‌السلام الكاشفة عن إرادة القطع من أصول الأصابع.

ومنها : قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب (١)» وأمثاله من المركّبات التي تشتمل على كلمة «لا» التي لنفي الجنس نحو : «لا صلاة إلاّ بطهور (٢)» ، و «لا بيع إلاّ في ملك (٣)» ، و «لا صلاة لمن جاره المسجد إلاّ في المسجد (٤)» ، و «لا غيبة لفاسق (٥)» ، و «لا جماعة في نافلة (٦)» ، ونحو ذلك.

فإنّ النفي في مثل هذه المركّبات موجّه ظاهرا لنفس الماهيّة والحقيقة ، وقالوا : إنّ إرادة نفي الماهيّة متعذّر فيها ، فلا بدّ أن يقدّر ـ بطريق المجاز ـ وصف للماهيّة هو المنفيّ حقيقة ، نحو : الصحّة ، والكمال ، والفضيلة ، والفائدة ، ونحو ذلك. ولمّا كان المجاز مردّدا بين عدّة معان ، كان الكلام مجملا ، ولا قرينة في نفس اللفظ تعيّن واحدا منها ، فإنّ نفي الصحّة ليس بأولى من نفي الكمال أو الفضيلة ، ولا نفي الكمال بأولى من نفي الفائدة ... وهكذا.

وأجاب بعضهم (٧) بأنّ هذا إنّما يتمّ إذا كانت ألفاظ العبادات والمعاملات موضوعة للأعمّ ، فلا يمكن فيها نفي الحقيقة.

وأمّا : إذا قلنا بالوضع للصحيح فلا يتعذّر نفي الحقيقة ، بل هو المتعيّن على الأكثر ، فلا إجمال.

وأمّا : في غير الألفاظ الشرعيّة مثل قولهم : «لا علم إلاّ بعمل» فمع عدم القرينة يكون

__________________

(١) هذا مفاد الروايات الواردة في باب وجوب قراءة فاتحة الكتاب في الصلاة. الوسائل ٤ : ٧٣٢ ، الباب ١ من أبواب القراءة في الصلاة.

(٢) الوسائل ١ : ٢٥٦ ، الباب ١ من أبواب الوضوء ، الحديث : ١ و ٦.

(٣) وهذا مستفاد من الروايات الواردة في باب اشتراط كون المبيع مملوكا. الوسائل ٢ : ٢٤٨ ـ ٢٤٩.

(٤) وهذا مفاد الروايات الدالّة على كراهة تأخّر جيران المسجد عنه. الوسائل ٣ : ٤٧٨ ، الباب ٢ من أبواب أحكام المسجد ؛ و ٥ : ٣٧٥ ـ ٣٧٧ ، الباب ٢ من أبواب صلاة الجماعة.

(٥) بحار الأنوار ٧٥ : ٢٣٣.

(٦) الوسائل ٥ : ١٨٢ ، الباب ٧ من أبواب نافلة شهر رمضان.

(٧) وهو المحقّق القميّ في القوانين ١ : ٣٣٨.

اللفظ مجملا ؛ إذ يتعذّر نفي الحقيقة.

أقول : والصحيح في توجيه البحث أن يقال : إنّ «لا» في هذه المركّبات لنفي الجنس ، فهي تحتاج إلى اسم وخبر على حسب ما تقتضيه القواعد النحويّة ؛ ولكنّ الخبر محذوف حتّى في مثل : «لا غيبة لفاسق» ، فإنّ «لفاسق» ظرف مستقرّ متعلّق بالخبر المحذوف ؛ وهذا الخبر المحذوف لا بدّ له من قرينة ، سواء كان كلمة «موجود» أو «صحيح» أو «مفيد» أو «كامل» أو «نافع» أو نحوها ، وليس هو مجازا في واحد من هذه الأمور التي يصحّ تقديرها.

والقصد أنّه سواء كان المراد نفي الحقيقة أو نفي الصحّة ونحوها ؛ فإنّه لا بدّ من تقدير خبر محذوف بقرينة ، وإنّما يكون مجملا إذا تجرّد عن القرينة ؛ ولكنّ الظاهر أنّ القرينة حاصلة على الأكثر ، وهي القرينة العامّة في مثله ؛ فإنّ الظاهر من نفي الجنس أنّ المحذوف فيه هو لفظ «موجود» وما بمعناه من نحو لفظ «ثابت» و «متحقّق».

فإذا تعذّر تقدير هذا اللفظ العامّ لأيّ سبب كان ، فإنّ هناك قرينة موجودة غالبا وهي مناسبة الحكم والموضوع ؛ فإنّها تقتضي غالبا تقدير لفظ خاصّ مناسب مثل «لا علم إلاّ بعمل» ؛ فإنّ المفهوم منه أنّه لا علم نافع (١) ، والمفهوم من نحو : «لا غيبة لفاسق» لا غيبة محرّمة ، والمفهوم من نحو : «لا رضاع بعد فطام (٢)» لا رضاع سائغ ، ومن نحو : «لا جماعة في نافلة (٣)» لا جماعة مشروعة ، ومن نحو : «لا إقرار لمن أقرّ بنفسه على الزنا» لا إقرار نافذ ومعتبر ، ومن نحو : «لا صلاة إلاّ بطهور» ـ بناء على الوضع للأعمّ ـ لا صلاة صحيحة ، ومن نحو : «لا صلاة لحاقن (٤)» لا صلاة كاملة ـ بناء على قيام الدليل على أنّ الحاقن لا تفسد صلاته ـ ... وهكذا.

وهذه القرينة ـ وهي قرينة مناسبة الحكم للموضوع ـ لا تقع تحت ضابطة معيّنة ، ولكنّها

__________________

(١) يجوز في نعت اسم «لا» التي لنفي الجنس الرفع والنصب.

(٢) الكافي ٥ : ٤٤٣.

(٣) الوسائل ٥ : ١٨٢ ، الباب ٧ من ابواب نافلة شهر رمضان.

(٤) الوسائل ٤ : ١٢٥٤ ، الباب ٨ من أبواب قواطع الصلاة ، الحديث : ٢ و ٥.

موجودة على الأكثر ، ويحتاج إدراكها إلى ذوق سليم.

تنبيه وتحقيق

ليس من البعيد أن يقال : إنّ المحذوف في جميع مواقع «لا» التي هي لنفي الجنس هو كلمة «موجود» أو ما هو بمعناها ، غاية الأمر أنّه في بعض الموارد تقوم القرينة على عدم إرادة نفي الوجود والتحقّق حقيقة ، فلا بدّ حينئذ من حملها على نفي التحقّق ادّعاء وتنزيلا ، بأن ننزّل الموجود منزلة المعدوم باعتبار عدم حصول الأثر المرغوب فيه أو المتوقّع منه ـ يعني يدّعى أنّ الموجود الخارجيّ ليس من أفراد الجنس الذي تعلّق به النفي تنزيلا ، وذلك لعدم حصول الأثر المطلوب منه ـ ، فمثل «لا علم إلاّ بعمل» معناه أنّ العلم بلا عمل كلا علم ؛ إذ لم تحصل الفائدة المترقّبة منه ، ومثل «لا إقرار لمن أقرّ بنفسه على الزنا» معناه أنّ إقراره كلا إقرار باعتبار عدم نفوذه عليه ، ومثل «لا سهو لمن كثر عليه السهو» معناه أنّ سهوه كلا سهو باعتبار عدم ترتّب آثار السهو عليه من سجود أو صلاة أو بطلان الصّلاة.

هذا إذا كان النفي من جهة تكوين الشيء.

وأمّا : إذا كان النفي راجعا إلى عالم التشريع فإن كان النفي متعلّقا بالفعل ، دلّ نفيه على عدم ثبوت حكمه في الشريعة ، مثل «لا رهبانيّة في الإسلام (١)» فإنّ معنى عدم ثبوتها عدم تشريع الرهبانيّة وأنّه غير مرخّص بها ، ومثل «لا غيبة لفاسق» ، فإنّ معنى عدم ثبوتها عدم حرمة غيبة الفاسق ، وكذلك نحو : [«لا نجش في الإسلام»] «ولا غشّ في الإسلام» (٢) ، و «لا عمل في الصّلاة» (٣) ، و «لا رفث ولا فسوق ولا جدال في الحجّ (٤)» ، و «لا جماعة في نافلة» ، فإنّ كلّ ذلك معناه عدم مشروعيّة هذه الأفعال.

وإن كان النفي متعلّقا بعنوان يصحّ انطباقه على الحكم ، فيدلّ النفي على عدم تشريع

__________________

(١) بحار الأنوار ٨ : ١٧٠ و ١٤ : ٢٧٩.

(٢) هذا مفاد الروايات. الوسائل ٢ : ٢٠٨ ، الباب ٨٦ من أبواب ما يكتسب به.

(٣) لم أجدها في الروايات.

(٤) قال الله تعالى : ﴿فَلا رَفَثَ وَلا فُسُوقَ وَلا جِدالَ فِي الْحَجِّ ....﴾ البقرة (٢) الآية : ١٩٧.