درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۴۱: مجمل و مبین ۷

 

حكم ينطبق عليه هذا العنوان ، كما في قوله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «لا حرج في الدين (١)» و «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام (٢)».

وعلى كلّ حال ، فإنّ مثل هذه الجمل والمركّبات ليست (٣) مجملة في حدّ أنفسها ، وقد يتّفق لها أن تكون مجملة إذا جرّدت عن القرينة التي تعيّن أنّها لنفي تحقّق الماهيّة حقيقة أو لنفيها ادّعاء وتنزيلا.

ومنها : مثل قوله (تعالى) : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ (٤)﴾ وقوله (تعالى) : ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ (٥)﴾ ممّا أسند الحكم فيه ـ كالتحريم والتحليل ـ إلى العين.

فقد قال بعضهم (٦) بإجمالها ؛ نظرا إلى أنّ إسناد التحريم والتحليل لا يصحّ إلاّ إلى الأفعال الاختياريّة. أمّا : الأعيان فلا معنى لتعلّق الحكم بها ، بل يستحيل. ولذا تسمّى الأعيان «موضوعات للأحكام» ، كما أنّ الأفعال تسمّى «متعلّقات».

وعليه ، فلا بدّ أن يقدّر في مثل هذه المركّبات فعل تصحّ إضافته إلى العين المذكورة في الجملة ، ويصحّ أن يكون متعلّقا للحكم ، ففي مثل الآية الأولى يقدّر كلمة «نكاح» مثلا ، وفي الثانية «أكل» ، وفي مثل ﴿وَأَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها (٧)﴾ يقدّر «ركوبها» ، وفي مثل ﴿النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ (٨)﴾ يقدّر «قتلها» ... وهكذا.

ولكنّ التركيب في نفسه ليس فيه قرينة على تعيين نوع المحذوف ، فيكون في حدّ نفسه مجملا ، فلا يدرى فيه هل إنّ المقدّر كلّ فعل تصحّ إضافته إلى العين المذكورة في

__________________

(١) لم أجدها في الكتب الروائيّة بهذه العبارة. بل هي مفاد قوله (تعالى) : ﴿ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ.) الحجّ (٢٢) الآية : ٧٨.

(٢) راجع التعليقة (١) من الصفحة : ١٤٦.

(٣) التأنيث باعتبار ما أضيف إليه المثل.

(٤) النساء (٤) الآية : ٢٣.

(٥) المائدة (٥) الآية : ١.

(٦) وهو الطبرسيّ في مجمع البيان ٣ : ٤٦ و ٢٣٤.

(٧) الأنعام (٦) الآية : ١٣٨.

(٨) الفرقان (٢٥) الآية : ٦٨.

الجملة ، ويصحّ تعلّق الحكم به ، أو أنّ المقدّر فعل مخصوص كما قدّرناه في الأمثلة المتقدّمة؟

والصحيح في هذا الباب أن يقال : إنّ نفس التركيب ـ مع قطع النظر عن ملاحظة الموضوع والحكم وعن أيّة قرينة خارجيّة ـ هو في نفسه يقتضي الإجمال لو لا أنّ الإطلاق يقتضي تقدير كلّ فعل صالح للتقدير ، إلاّ إذا قامت قرينة خاصّة على تعيين نوع الفعل المقدّر. وغالبا لا يخلو مثل هذا التركيب من وجود القرينة الخاصّة ولو قرينة مناسبة الحكم والموضوع. ويشهد لذلك أنّا لا نتردّد في تقدير الفعل المخصوص في الأمثلة المذكورة في صدر البحث ومثيلاتها ، وما ذلك إلاّ لما قلناه من وجود القرينة الخاصّة ولو مناسبة الحكم والموضوع.

ويشبه أن يكون هذا الباب نظير باب «لا» المحذوف خبرها.

ألهمنا الله (تعالى) الصواب ، ودفع عنّا الشبهات ، وهدانا الصراط المستقيم.

تمرينات (٣١)

١. ما تعريف المجمل والمبيّن؟

٢. اذكر خمسة أسباب من أسباب إجمال اللفظ ، ومثّل لكلّ منها.

٣. الإجمال في قوله تعالى : ﴿وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما﴾ من جهة لفظ «اليد» أو من جهة لفظ «القطع»؟

٤. ما المراد من قرينة مناسبة الحكم والموضوع؟

٥. ما هو المقدّر فيما يلي؟

أ) قوله تعالى : ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهاتُكُمْ﴾.

ب) قوله تعالى : ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعامِ﴾.

ج) قوله تعالى : ﴿أَنْعامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُها﴾.

د) قوله تعالى : ﴿النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ﴾.

المقصد الثاني

الملازمات العقليّة

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

من الأدلّة على الحكم الشرعيّ عند الأصوليّين الإماميّة (١) «العقل» ، إذ يذكرون أنّ الأدلّة على الأحكام الشرعيّة الفرعيّة أربعة : الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، والعقل.

وسيأتي في «مباحث الحجّة» وجه حجيّة العقل (٢).

أمّا هنا فإنّما يبحث عن تشخيص صغريات ما يحكم به العقل المفروض أنّه حجّة ، أي يبحث هنا عن مصاديق أحكام العقل الذي هو دليل على الحكم الشرعيّ. وهذا نظير البحث في المقصد الأوّل (مباحث الألفاظ) عن مصاديق أصالة الظهور التي هي حجّة ، وحجّيتها إنّما يبحث عنها في مباحث الحجّة.

وتوضيح ذلك أنّ هنا مسألتين :

١. إنّه إذا حكم العقل على شيء أنّه حسن شرعا أو يلزم فعله شرعا ، أو يحكم على شيء أنّه قبيح شرعا أو يلزم تركه شرعا بأيّ طريق من الطرق التي سيأتي بيانها (٣) ، هل يثبت بهذا الحكم العقليّ حكم الشرع؟ أي إنّه من حكم العقل هذا هل يستكشف أنّ الشارع واقعا قد حكم بذلك؟ ومرجع ذلك إلى أنّ حكم العقل هذا هل هو حجّة أو لا؟ وهذا البحث ـ كما قلنا ـ إنّما يذكر في مباحث الحجّة ، وليس هنا موقعه. وسيأتي بيان إمكان

__________________

(١) بل عند بعض العامّة.

(٢) يأتي في الباب الرابع من المقصد الثالث.

(٣) يأتي في الصفحة : ٢٣٣ ـ ٢٣٧.