درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۴۲: ملازمات عقلیه ۱

 

بسم الله الرحمن الرحيم

تمهيد

من الأدلّة على الحكم الشرعيّ عند الأصوليّين الإماميّة (١) «العقل» ، إذ يذكرون أنّ الأدلّة على الأحكام الشرعيّة الفرعيّة أربعة : الكتاب ، والسنّة ، والإجماع ، والعقل.

وسيأتي في «مباحث الحجّة» وجه حجيّة العقل (٢).

أمّا هنا فإنّما يبحث عن تشخيص صغريات ما يحكم به العقل المفروض أنّه حجّة ، أي يبحث هنا عن مصاديق أحكام العقل الذي هو دليل على الحكم الشرعيّ. وهذا نظير البحث في المقصد الأوّل (مباحث الألفاظ) عن مصاديق أصالة الظهور التي هي حجّة ، وحجّيتها إنّما يبحث عنها في مباحث الحجّة.

وتوضيح ذلك أنّ هنا مسألتين :

١. إنّه إذا حكم العقل على شيء أنّه حسن شرعا أو يلزم فعله شرعا ، أو يحكم على شيء أنّه قبيح شرعا أو يلزم تركه شرعا بأيّ طريق من الطرق التي سيأتي بيانها (٣) ، هل يثبت بهذا الحكم العقليّ حكم الشرع؟ أي إنّه من حكم العقل هذا هل يستكشف أنّ الشارع واقعا قد حكم بذلك؟ ومرجع ذلك إلى أنّ حكم العقل هذا هل هو حجّة أو لا؟ وهذا البحث ـ كما قلنا ـ إنّما يذكر في مباحث الحجّة ، وليس هنا موقعه. وسيأتي بيان إمكان

__________________

(١) بل عند بعض العامّة.

(٢) يأتي في الباب الرابع من المقصد الثالث.

(٣) يأتي في الصفحة : ٢٣٣ ـ ٢٣٧.

حصول القطع بالحكم الشرعيّ من غير الكتاب والسنّة (١) ، وإذا حصل ، كيف يكون حجّة؟

٢. إنّه هل للعقل أن يدرك بطريق من الطرق أنّ هذا الشيء مثلا حسن شرعا أو قبيح أو يلزم فعله أو تركه عند الشارع؟ يعني أنّ العقل بعد إدراكه لحسن الأفعال أو لزومها ، ولقبح الأشياء أو لزوم تركها في أنفسها بأيّ طريق من الطرق ... هل يدرك مع ذلك أنّها كذلك عند الشارع؟

وهذا المقصد الثاني ـ الذي سمّيناه : «بحث الملازمات العقليّة» ـ عقدناه لأجل بيان ذلك في مسائل على النحو الذي سيأتى إن شاء الله (تعالى) ، ويكون فيه تشخيص صغريات حجيّة العقل المبحوث عنها في المقصد الثالث (مباحث الحجّة).

ثمّ لا بدّ ـ قبل تشخيص هذه الصغريات في مسائل ـ من ذكر أمرين يتعلّقان بالأحكام العقليّة مقدّمة للبحث ، نستعين بها على المقصود ، وهما :

١. أقسام الدليل العقليّ (٢)

إنّ الدليل العقليّ ـ أو فقل : ما يحكم به العقل الذي يثبت به الحكم الشرعيّ ـ ينقسم إلى قسمين : ما يستقلّ به العقل ، وما لا يستقلّ به.

وبتعبير آخر نقول : إنّ الأحكام العقليّة على قسمين : مستقلات ، وغير مستقلاّت.

وهذه التعبيرات كثيرا ما تجري على ألسنة الأصوليّين ويقصدون بها المعنى الذي سنوضّحه. وإن كان قد يقولون : «إنّ هذا ممّا يستقلّ به العقل» ولا يقصدون هذا المعنى ، بل يقصدون به معنى آخر ، وهو ما يحكم به العقل بالبداهة وإن كان ليس من المستقلاّت العقليّة بالمعنى الآتي.

__________________

(١) يأتي في الصفحة الآتية.

(٢) قد يستشكل في إطلاق اسم الدليل على حكم العقل كما يطلق على الكتاب والسنّة والاجماع. وسيأتى إن شاء الله (تعالى) في مباحث الحجّة معنى الدليل والحجّة باصطلاح الأصوليّين وكيف يطلق باصطلاحهم على حكم العقل ، أي القطع * ـ منه رحمه‌الله ـ.

__________________

* يأتي في المبحث الثاني من المباحث المذكورة في مقدّمة المقصد الثالث.