درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۴۳: ملازمات عقلیه ۲

 

حصول القطع بالحكم الشرعيّ من غير الكتاب والسنّة (١) ، وإذا حصل ، كيف يكون حجّة؟

٢. إنّه هل للعقل أن يدرك بطريق من الطرق أنّ هذا الشيء مثلا حسن شرعا أو قبيح أو يلزم فعله أو تركه عند الشارع؟ يعني أنّ العقل بعد إدراكه لحسن الأفعال أو لزومها ، ولقبح الأشياء أو لزوم تركها في أنفسها بأيّ طريق من الطرق ... هل يدرك مع ذلك أنّها كذلك عند الشارع؟

وهذا المقصد الثاني ـ الذي سمّيناه : «بحث الملازمات العقليّة» ـ عقدناه لأجل بيان ذلك في مسائل على النحو الذي سيأتى إن شاء الله (تعالى) ، ويكون فيه تشخيص صغريات حجيّة العقل المبحوث عنها في المقصد الثالث (مباحث الحجّة).

ثمّ لا بدّ ـ قبل تشخيص هذه الصغريات في مسائل ـ من ذكر أمرين يتعلّقان بالأحكام العقليّة مقدّمة للبحث ، نستعين بها على المقصود ، وهما :

١. أقسام الدليل العقليّ (٢)

إنّ الدليل العقليّ ـ أو فقل : ما يحكم به العقل الذي يثبت به الحكم الشرعيّ ـ ينقسم إلى قسمين : ما يستقلّ به العقل ، وما لا يستقلّ به.

وبتعبير آخر نقول : إنّ الأحكام العقليّة على قسمين : مستقلات ، وغير مستقلاّت.

وهذه التعبيرات كثيرا ما تجري على ألسنة الأصوليّين ويقصدون بها المعنى الذي سنوضّحه. وإن كان قد يقولون : «إنّ هذا ممّا يستقلّ به العقل» ولا يقصدون هذا المعنى ، بل يقصدون به معنى آخر ، وهو ما يحكم به العقل بالبداهة وإن كان ليس من المستقلاّت العقليّة بالمعنى الآتي.

__________________

(١) يأتي في الصفحة الآتية.

(٢) قد يستشكل في إطلاق اسم الدليل على حكم العقل كما يطلق على الكتاب والسنّة والاجماع. وسيأتى إن شاء الله (تعالى) في مباحث الحجّة معنى الدليل والحجّة باصطلاح الأصوليّين وكيف يطلق باصطلاحهم على حكم العقل ، أي القطع * ـ منه رحمه‌الله ـ.

__________________

* يأتي في المبحث الثاني من المباحث المذكورة في مقدّمة المقصد الثالث.

وعلى كلّ حال ، فإنّ هذا التقسيم يحتاج إلى شيء من التوضيح ، فنقول :

إنّ العلم بالحكم الشرعيّ ، كسائر العلوم لا بدّ له من علّة ؛ لاستحالة وجود الممكن بلا علّة. وعلّة العلم التصديقيّ لا بدّ أن تكون من أحد أنواع الحجّة الثلاثة : القياس ، أو الاستقراء ، أو التمثيل. وليس الاستقراء ممّا يثبت به الحكم الشرعيّ ، وهو واضح. والتمثيل ليس بحجّة عندنا ؛ لأنّه هو القياس المصطلح عليه عند الأصوليّين الذي هو ليس من مذهبنا.

فيتعيّن أن تكون العلّة للعلم بالحكم الشرعيّ هي خصوص القياس باصطلاح المناطقة ، وإذا كان كذلك فإنّ كلّ قياس لا بدّ أن يتألّف من مقدّمتين ، سواء كان استثنائيّا أو اقترانيّا. وهاتان المقدّمتان قد تكونان معا غير عقليّتين ، فالدليل الذي يتألّف منهما يسمّى «دليلا شرعيّا» في قبال الدليل العقليّ. ولا كلام لنا في هذا القسم هنا. وقد تكون كلّ منهما أو إحداهما عقليّة ـ أي ممّا يحكم العقل به من غير اعتماد على حكم شرعيّ ـ ، فإنّ الدليل الذي يتألّف منهما يسمّى «عقليّا» ، وهو على قسمين :

١. أن تكون المقدّمتان معا عقليّتين ، كحكم العقل بحسن شيء أو قبحه ، ثمّ حكمه بأنّه كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع على طبقه. وهو القسم الأوّل من الدليل العقليّ ، وهو قسم «المستقلاّت العقليّة».

٢. أن تكون إحدى المقدّمتين غير عقليّة والأخرى عقليّة ، كحكم العقل بوجوب المقدّمة عند وجوب ذيها ، فهذه مقدّمة عقليّة صرفة ، وينضمّ إليها حكم الشرع بوجوب ذي المقدّمة. وانّما يسمّى الدليل الذي يتألّف منهما «عقليّا» لأجل تغليب جانب المقدّمة العقليّة. وهذا هو القسم الثاني من الدليل العقليّ ، وهو قسم «غير المستقلاّت العقليّة». وانّما سمّي بذلك ؛ لأنّه ـ من الواضح ـ أنّ العقل لم يستقلّ وحده في الوصول إلى النتيجة ، بل استعان بحكم الشرع في إحدى مقدّمتي القياس.

٢. لما ذا سمّيت هذه المباحث بالملازمات العقليّة؟

المراد بالملازمة العقليّة هنا ، هو حكم العقل بالملازمة بين حكم الشرع وبين أمر آخر ، سواء كان حكما عقليّا أو شرعيّا أو غيرهما ، مثل : الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراريّ