درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۴۴: ملازمات عقلیه ۳

 

وعلى كلّ حال ، فإنّ هذا التقسيم يحتاج إلى شيء من التوضيح ، فنقول :

إنّ العلم بالحكم الشرعيّ ، كسائر العلوم لا بدّ له من علّة ؛ لاستحالة وجود الممكن بلا علّة. وعلّة العلم التصديقيّ لا بدّ أن تكون من أحد أنواع الحجّة الثلاثة : القياس ، أو الاستقراء ، أو التمثيل. وليس الاستقراء ممّا يثبت به الحكم الشرعيّ ، وهو واضح. والتمثيل ليس بحجّة عندنا ؛ لأنّه هو القياس المصطلح عليه عند الأصوليّين الذي هو ليس من مذهبنا.

فيتعيّن أن تكون العلّة للعلم بالحكم الشرعيّ هي خصوص القياس باصطلاح المناطقة ، وإذا كان كذلك فإنّ كلّ قياس لا بدّ أن يتألّف من مقدّمتين ، سواء كان استثنائيّا أو اقترانيّا. وهاتان المقدّمتان قد تكونان معا غير عقليّتين ، فالدليل الذي يتألّف منهما يسمّى «دليلا شرعيّا» في قبال الدليل العقليّ. ولا كلام لنا في هذا القسم هنا. وقد تكون كلّ منهما أو إحداهما عقليّة ـ أي ممّا يحكم العقل به من غير اعتماد على حكم شرعيّ ـ ، فإنّ الدليل الذي يتألّف منهما يسمّى «عقليّا» ، وهو على قسمين :

١. أن تكون المقدّمتان معا عقليّتين ، كحكم العقل بحسن شيء أو قبحه ، ثمّ حكمه بأنّه كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع على طبقه. وهو القسم الأوّل من الدليل العقليّ ، وهو قسم «المستقلاّت العقليّة».

٢. أن تكون إحدى المقدّمتين غير عقليّة والأخرى عقليّة ، كحكم العقل بوجوب المقدّمة عند وجوب ذيها ، فهذه مقدّمة عقليّة صرفة ، وينضمّ إليها حكم الشرع بوجوب ذي المقدّمة. وانّما يسمّى الدليل الذي يتألّف منهما «عقليّا» لأجل تغليب جانب المقدّمة العقليّة. وهذا هو القسم الثاني من الدليل العقليّ ، وهو قسم «غير المستقلاّت العقليّة». وانّما سمّي بذلك ؛ لأنّه ـ من الواضح ـ أنّ العقل لم يستقلّ وحده في الوصول إلى النتيجة ، بل استعان بحكم الشرع في إحدى مقدّمتي القياس.

٢. لما ذا سمّيت هذه المباحث بالملازمات العقليّة؟

المراد بالملازمة العقليّة هنا ، هو حكم العقل بالملازمة بين حكم الشرع وبين أمر آخر ، سواء كان حكما عقليّا أو شرعيّا أو غيرهما ، مثل : الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراريّ

الذي يلزمه عقلا سقوط الأمر الاختياريّ لو زال الاضطرار في الوقت أو خارجه على ما سيأتي ذلك في مبحث «الإجزاء» (١).

وقد يخفى على الطالب لأوّل وهلة الوجه في تسمية مباحث الأحكام العقليّة بـ «الملازمات العقليّة» ، لا سيّما فيما يتعلّق بالمستقلاّت العقليّة ، ولذلك وجب علينا أن نوضّح ذلك ، فنقول :

١. أمّا في المستقلاّت العقليّة : فيظهر بعد بيان المقدّمتين اللتين يتألّف منهما الدليل العقليّ ، وهما ـ مثلا ـ :

الأولى : «العدل يحسن فعله عقلا». وهذه قضيّة عقليّة صرفة هي صغرى القياس. وهي من المشهورات التي تطابقت عليها آراء العقلاء التي تسمّى «الآراء المحمودة». وهذه قضيّة تدخل في مباحث علم الكلام عادة ، وإذا بحث عنها هنا فمن باب المقدّمة للبحث عن الكبرى الآتية.

الثانية : «كلّ ما يحسن فعله عقلا يحسن فعله شرعا». وهذه قضيّة عقليّة أيضا يستدلّ عليها بما سيأتي في محلّه ، وهي كبرى للقياس ، ومضمونها الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع. وهذه الملازمة مأخوذة من دليل عقليّ ، فهي ملازمة عقليّة ، وما يبحث عنه في علم الأصول فهو هذه الملازمة ، ومن أجل هذه الملازمة تدخل المستقلاّت العقليّة في الملازمات العقليّة.

ولا ينبغي أن يتوهّم الطالب أنّ هذه الكبرى معناها حجّيّة العقل ، بل نتيجة هاتين المقدّمتين هكذا : «العدل يحسن فعله شرعا» ، وهذا الاستنتاج بدليل عقليّ. وقد ينكر المنكر أنّه يلزم شرعا ترتيب الأثر على هذا الاستنتاج والاستكشاف (٢) ، وسنذكر إن شاء الله (تعالى) في حينه الوجه في هذا الانكار الذي مرجعه إلى إنكار حجّيّة العقل (٣).

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٢٥٢.

(٢) أنكر الملازمة بعض الأخباريّين كالسيّد الصدر على ما حكاه الشيخ في فرائد الأصول ١ : ١٩ ، ومطارح الأنظار : ٢٣٢. وأنكرها أيضا صاحب الفصول في الفصول الغرويّة : ٢٣٧.

(٣) يأتي في الصفحة : ٢٤٣ ـ ٢٤٤.