درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۴۵: ملازمات عقلیه ۴

 

والحاصل نحن نبحث في المستقلاّت العقليّة عن مسألتين : إحداهما : الصغرى ، وهي بيان المدركات العقليّة في الأفعال الاختياريّة [و] أنّه أيّها ينبغي فعله وأيّها لا ينبغي فعله؟ ثانيتهما : الكبرى ، وهي بيان أنّ ما يدركه العقل هل لا بدّ أن يدركه الشرع ، أي يحكم على طبق ما يحكم به العقل؟ وهذه هي المسألة الأصوليّة التي هي من الملازمات العقليّة. ومن هاتين المسألتين نهيّئ موضوع مبحث حجّيّة العقل.

٢. وأمّا في «غير المستقلاّت العقليّة» فأيضا يظهر الحال فيها بعد بيان المقدّمتين اللتين يتألّف منهما الدليل العقليّ. وهما ـ مثلا ـ :

الأولى : «هذا الفعل واجب» أو «هذا المأتيّ به ، مأمور به في حال الاضطرار». فمثل هذه القضايا تثبت في علم الفقه ، فهي شرعيّة.

الثانية : «كلّ فعل واجب شرعا يلزمه عقلا وجوب مقدّمته شرعا» أو «يلزمه عقلا حرمة ضدّه شرعا» أو «كلّ مأتيّ به ـ وهو مأمور به حال الاضطرار ـ يلزمه عقلا الإجزاء عن المأمور به حال الاختيار» ... وهكذا. فإنّ أمثال هذه القضايا أحكام عقليّة مضمونها الملازمة العقليّة بين ما يثبت شرعا في القضيّة الأولى وبين حكم شرعيّ آخر. وهذه الأحكام العقليّة هي التي يبحث عنها في علم الأصول. ومن أجل هذا تدخل في باب الملازمات العقليّة.

الخلاصة

ومن جميع ما ذكرنا يتّضح أنّ المبحوث عنه في الملازمات العقليّة هو إثبات الكبريات العقليّة التي تقع في طريق إثبات الحكم الشرعيّ ، سواء كانت الصغرى عقليّة ، كما في المستقلاّت العقليّة ، أو شرعيّة ، كما في غير المستقلاّت العقليّة.

أمّا الصغرى : فدائما يبحث عنها في علم آخر غير علم الأصول ، كما أنّ الكبرى يبحث عنها في علم الأصول ، وهي (١) عبارة عن ملازمة حكم الشرع لشيء آخر بالملازمة العقليّة ، سواء كان ذلك الشيء الآخر حكما شرعيّا أم حكما عقليّا أم غيرهما. والنتيجة من

__________________

(١) أي الكبرى.

الصغرى والكبرى هاتين تقع صغرى لقياس آخر كبراه حجّيّة العقل ، ويبحث عن هذه الكبرى في مباحث الحجّة.

وعلى هذا فينحصر بحثنا هنا في بابين : «باب المستقلاّت العقليّة» ، و «باب غير المستقلاّت العقليّة» ، فنقول :

تمرينات (٣٢)

١. ما هو محلّ البحث في الملازمات العقليّة؟

٢. ما الفرق بين المستقلاّت العقليّة وغير المستقلاّت العقليّة؟

٣. لما ذا سمّيت هذه المباحث بالملازمات العقليّة؟

الباب الأوّل

المستقلاّت العقليّة

تمهيد

الظاهر انحصار المستقلاّت العقليّة ـ التي يستكشف منها الحكم الشرعيّ ـ في مسألة واحدة ، وهي مسألة التحسين والتقبيح العقليّين. وعليه ، يجب علينا أن نبحث عن هذه المسألة من جميع أطرافها بالتفصيل ، لا سيّما أنّه لم يبحث عنها في كتب الأصول الدارجة ، فنقول :

وقع البحث هنا في أربعة أمور متلاحقة :

١. إنّه هل تثبت للأفعال ـ مع قطع النظر عن حكم الشارع وتعلّق خطابه بها ـ أحكام عقليّة من حسن وقبح؟ أو إن شئت فقل : للأفعال حسن وقبح بحسب ذواتها ، ولها قيم ذاتيّة في نظر العقل قبل فرض حكم الشارع عليها ، أو ليس لها ذلك ، وإنّما الحسن ما حسّنه الشارع والقبيح ما قبّحه ، والفعل مطلقا في حدّ نفسه من دون حكم الشارع ليس حسنا ولا قبيحا؟

وهذا هو الخلاف الأصيل بين الأشاعرة والعدليّة ، وهو مسألة التحسين والتقبيح العقليّين المعروفة في علم الكلام ، وعليها تترتّب مسألة الاعتقاد بعدالة الله (تعالى) وغيرها. وإنّما سمّيت العدليّة «عدليّة» لقولهم بأنّه (تعالى) عادل ، بناء على مذهبهم في ثبوت الحسن والقبح العقليّين.

ونحن نبحث عن هذه المسألة هنا باعتبار أنّها من المبادئ لمسألتنا الأصوليّة كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق.