درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۴۶: ملازمات عقلیه ۵

 

الباب الأوّل

المستقلاّت العقليّة

تمهيد

الظاهر انحصار المستقلاّت العقليّة ـ التي يستكشف منها الحكم الشرعيّ ـ في مسألة واحدة ، وهي مسألة التحسين والتقبيح العقليّين. وعليه ، يجب علينا أن نبحث عن هذه المسألة من جميع أطرافها بالتفصيل ، لا سيّما أنّه لم يبحث عنها في كتب الأصول الدارجة ، فنقول :

وقع البحث هنا في أربعة أمور متلاحقة :

١. إنّه هل تثبت للأفعال ـ مع قطع النظر عن حكم الشارع وتعلّق خطابه بها ـ أحكام عقليّة من حسن وقبح؟ أو إن شئت فقل : للأفعال حسن وقبح بحسب ذواتها ، ولها قيم ذاتيّة في نظر العقل قبل فرض حكم الشارع عليها ، أو ليس لها ذلك ، وإنّما الحسن ما حسّنه الشارع والقبيح ما قبّحه ، والفعل مطلقا في حدّ نفسه من دون حكم الشارع ليس حسنا ولا قبيحا؟

وهذا هو الخلاف الأصيل بين الأشاعرة والعدليّة ، وهو مسألة التحسين والتقبيح العقليّين المعروفة في علم الكلام ، وعليها تترتّب مسألة الاعتقاد بعدالة الله (تعالى) وغيرها. وإنّما سمّيت العدليّة «عدليّة» لقولهم بأنّه (تعالى) عادل ، بناء على مذهبهم في ثبوت الحسن والقبح العقليّين.

ونحن نبحث عن هذه المسألة هنا باعتبار أنّها من المبادئ لمسألتنا الأصوليّة كما أشرنا إلى ذلك فيما سبق.

٢. إنّه بعد فرض القول بأنّ للأفعال في حدّ أنفسها حسنا وقبحا ، هل يتمكّن العقل من إدراك وجوه الحسن والقبح مستقلاّ عن تعليم الشارع وبيانه أو لا؟ وعلى تقدير تمكّنه ، هل للمكلّف أن يأخذ به بدون بيان الشارع وتعليمه أو ليس له ذلك إمّا مطلقا أو في بعض الموارد؟

وهذه المسألة هي إحدى نقط الخلاف المعروفة بين الأصوليّين وجماعة من الأخباريّين ، (١) وفيها تفصيل من بعضهم (٢) على ما يأتي (٣). وهي أيضا ليست من مباحث علم الأصول ، ولكنّها من المبادئ لمسألتنا الأصوليّة الآتية ؛ لأنّه بدون القول بأنّ العقل يدرك وجوه الحسن والقبح لا تتحقّق عندنا صغرى القياس التي تكلّمنا عنها سابقا.

ولا ينبغي أن يخفى عليكم أنّ تحرير هذه المسألة سببه المغالطة التي وقعت لبعضهم ، (٤) وإلاّ فبعد تحرير المسألة الأولى على وجهها الصحيح ـ كما سيأتي ـ لا يبقى مجال لهذا النزاع. فانتظر توضيح ذلك في محلّه القريب. (٥)

٣. إنّه بعد فرض أنّ للأفعال حسنا وقبحا وأنّ العقل يدرك الحسن والقبح ، يصحّ أن ننتقل إلى التساؤل عمّا إذا كان العقل يحكم أيضا بالملازمة بين حكمه وحكم الشرع ، بمعنى أنّ العقل إذا حكم بحسن شيء أو قبحه هل يلزم عنده عقلا أن يحكم الشارع على طبق حكمه؟

وهذه هي المسألة الأصوليّة المعبّر عنها بمسألة الملازمة التي وقع فيها النزاع ، فأنكر

__________________

(١) كالمحدّث الاسترآباديّ في الفوائد المدنيّة ، والمحدّث الجزائريّ في شرح التهذيب ، والمحدّث البحرانيّ في الحدائق على ما حكاه عنهم الشيخ الأنصاريّ في فرائد الأصول ١ : ١٥ ـ ١٧. وراجع الفوائد المدنيّة : ١٢٩ ـ ١٣١ ، والحدائق الناضرة ١ : ١٣٢.

(٢) أي بعض الأصوليّين. وهو صاحب الفصول ، فإنّه أنكر الملازمة الواقعيّة بين حكم العقل وحكم الشرع ، والتزم بالملازمة الظاهريّة. راجع الفصول الغرويّة : ٣٣٧.

(٣) يأتي في الصفحة : ٢٤٨ «المبحث الثالث».

(٤) كصاحب الفصول والشيخ الأنصاريّ ، فإنّ الظاهر من كلماتهما أنّ الالتزام بالتحسين والتقبيح العقليّين غير الالتزام بتحسين الشارع وتقبيحه ، غاية الأمر أنّ أحدهما يلزم الآخر. والحقّ أنّهما شيء واحد. فراجع الفصول الغرويّة : ٣٣٧ ، ومطارح الأنظار : ٢٣١ ـ ٢٣٢.

(٥) يأتي في الصفحة : ٢٤٦ «توضيح وتعقيب».

الملازمة جملة من الأخباريّين (١) وبعض الأصوليّين كصاحب الفصول (٢).

٤. إنّه بعد ثبوت الملازمة وحصول القطع بأنّ الشارع لا بدّ أن يحكم على طبق ما حكم به العقل فهل هذا القطع حجّة شرعا؟

ومرجع هذا النزاع إلى ثلاث نواح :

الأولى : في إمكان أن ينفي الشارع حجيّة هذا القطع وينهى عن الأخذ به.

الثانية : بعد فرض إمكان نفي الشارع حجيّة القطع هل نهى عن الأخذ بحكم العقل وإن استلزم القطع كقول الإمام عليه‌السلام : «إنّ دين الله لا يصاب بالعقول» (٣) على تقدير تفسيره بذلك؟

والنزاع في هاتين الناحيتين وقع مع الأخباريّين جلّهم أو كلّهم.

الثالثة : بعد فرض عدم إمكان نفي الشارع حجّيّة القطع هل معنى حكم الشارع على طبق حكم العقل هو أمره ونهيه ، أو أنّ حكمه إدراكه وعلمه بأنّ هذا الفعل ينبغي فعله أو تركه ، وهو شيء آخر غير أمره ونهيه ، فإثبات أمره ونهيه يحتاج إلى دليل آخر ، ولا يكفي القطع بأنّ الشارع حكم بما حكم به العقل؟

وعلى كلّ حال ، فإنّ الكلام في هذه النواحي سيأتي في مباحث الحجّة (المقصد الثالث) (٤) وهو النزاع في حجّيّة العقل. وعليه ، فنحن نتعرّض هنا للمباحث الثلاثة الأولى ، ونترك المبحث الرابع بنواحيه إلى المقصد الثالث.

المبحث الأوّل : التحسين والتقبيح العقليّان

اختلف الناس في حسن الأفعال وقبحها هل إنّهما عقليّان أو شرعيّان ، بمعنى أنّ الحاكم بهما هل هو العقل أو الشرع؟

فقالت الأشاعرة : لا حكم للعقل في حسن الأفعال وقبحها ، وليس الحسن والقبح عائدين

__________________

(١) مرّ في التعليقة (١) من الصفحة السابقة.

(٢) الفصول الغرويّة : ٣٣٧.

(٣) عن عليّ بن الحسين عليهما‌السلام قال : «إنّ دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة». مستدرك الوسائل ١٧ : ٢٦٢.

(٤) يأتي في الباب الرابع من المقصد الثالث.