درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۵۵: ملازمات عقلیه ۱۴

 

موجودة بالفعل ، بل الموجود حقيقة أجسام فيها صفات حقيقيّة هي منشأ لانعكاس الأطياف عند وقوع الضوء عليها ، وليس كلّ واحد من الألوان إلاّ طيفا أو أطيافا فأكثر تركّبت.

وهكذا نقول في حسن الأشياء وجمالها بمعنى الملاءمة ، والشيء الواقعيّ فيها ما هو منشأ الملاءمة في الأشياء ، كالطعم والرائحة ونحوهما ، الذي هو كالصفة في الجسم ، إذ تكون منشأ لانعكاس أطياف الضوء. كما أنّ نفسي اللذّة والألم أيضا أمران واقعيّان ، ولكن ليسا هما الحسن والقبح اللذين هما من صفات الأشياء ، واللذّة والألم من صفات النفس المدركة للحسن والقبح.

٢. وأمّا الحسن بمعني ما ينبغي أن يفعل عند العقل ، فكذلك ليس له واقعيّة إلاّ إدراك العقلاء ، أو فقل : «تطابق آراء العقلاء». والكلام فيه كالكلام في الحسن بمعنى الملاءمة. وسيأتي تفصيل معنى تطابق العقلاء على المدح والذمّ أو إدراك العقل للحسن والقبح (١).

وعلى هذا ، فإن كان غرض الأشاعرة من إنكار الحسن والقبح إنكار واقعيّتهما بهذا المعنى من الواقعيّة فهو صحيح ، ولكن هذا بعيد من أقوالهم ؛ لأنّه لمّا كانوا يقولون بحسن الأفعال وقبحها بعد حكم الشارع فإنّه يعلم منه أنّه ليس غرضهم ذلك ؛ لأنّ حكم الشارع لا يجعل لهما واقعيّة وخارجيّة ؛ كيف؟ وقد رتّبوا على ذلك بأنّ وجوب المعرفة والطاعة ليس بعقليّ بل شرعيّ. وإن كان غرضهم إنكار إدراك العقل ـ كما هو الظاهر من أقوالهم ـ فسيأتي تحقيق الحقّ فيه (٢) ، وأنّهم ليسوا على صواب في ذلك.

٣. العقل العمليّ والنظريّ

إنّ المراد من العقل ـ إذ يقولون : إنّ العقل يحكم بحسن الشيء أو قبحه بالمعنى الثالث من الحسن والقبح ـ هو «العقل العمليّ» في مقابل «العقل النظريّ».

وليس الاختلاف بين العقلين إلاّ بالاختلاف بين المدركات ، فإن كان المدرك ـ بالفتح ـ

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٢٣٤ و ٢٣٥.

(٢) يأتي في الصفحة : ٢٤٣ و ٢٤٤.

ممّا ينبغي أن يفعل أو لا يفعل مثل «حسن العدل وقبح الظلم» ، فيسمّى إدراكه : «عقلا عمليّا» ، وإن كان المدرك ممّا ينبغي أن يعلم مثل قولهم : «الكلّ أعظم من الجزء» الذي لا علاقة له بالعمل فيسمّى إدراكه : «عقلا نظريّا».

ومعنى حكم العقل ـ على هذا ـ ليس إلاّ إدراك أنّ الشيء ممّا ينبغي أن يفعل أو يترك. وليس للعقل إنشاء بعث وزجر ، ولا أمر ونهي ، إلاّ بمعنى أنّ هذا الإدراك يدعو العقل إلى العمل ، أي يكون سببا لحدوث الإرادة في نفسه للعمل وفعل ما ينبغي ؛ إذن ، المراد من الأحكام العقليّة هي مدركات العقل العمليّ وآراؤه.

ومن هنا تعرف أنّ المراد من العقل المدرك للحسن والقبح بالمعنى الأوّل هو العقل النظريّ ؛ لأنّ الكمال والنقص ممّا ينبغي أن يعلم ، لا ممّا ينبغي أن يعمل. نعم ، إذا أدرك العقل كمال الفعل أو نقصه ، فإنّه يدرك معه أنّه ينبغي فعله أو تركه ، فيستعين العقل العمليّ بالعقل النظريّ. أو فقل : «يحصّل العقل العمليّ فعلا بعد حصول العقل النظريّ».

وكذا المراد من العقل المدرك للحسن والقبح بالمعنى الثاني هو العقل النظريّ ؛ لأنّ الملاءمة وعدمها ، أو المصلحة والمفسدة ممّا ينبغي أن يعلم ، ويستتبع ذلك إدراك أنّه ينبغي الفعل أو الترك على طبق ما علم.

ومن العجيب ما جاء في جامع السعادات ؛ إذ يقول ـ ردّا على الشيخ الرئيس خرّيت هذه الصناعة ـ : «إنّ مطلق الإدراك والإرشاد إنّما هو من العقل النظريّ ، فهو بمنزلة المشير الناصح ، والعقل العمليّ بمنزلة المنفّذ المجري لإشاراته» (١).

وهذا منه خروج عن الاصطلاح ، وما ندري ما يقصد من العقل العمليّ إذا كان الإرشاد والنصح للعقل النظريّ؟ وليس هناك عقلان في الحقيقة كما قدّمنا ، بل هو عقل واحد ، ولكنّ الاختلاف في مدركاته ومتعلّقاته ، وللتمييز بين الموارد يسمّى تارة : «عمليّا» وأخرى «نظريّا» ؛ وكأنّه يريد من العقل العمليّ نفس التصميم والإرادة للعمل ، وتسمية الإرادة عقلا وضع جديد في اللغة.

__________________

(١) جامع السعادات ١ : ٩٢.