درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۵۶: ملازمات عقلیه ۱۵

 

ممّا ينبغي أن يفعل أو لا يفعل مثل «حسن العدل وقبح الظلم» ، فيسمّى إدراكه : «عقلا عمليّا» ، وإن كان المدرك ممّا ينبغي أن يعلم مثل قولهم : «الكلّ أعظم من الجزء» الذي لا علاقة له بالعمل فيسمّى إدراكه : «عقلا نظريّا».

ومعنى حكم العقل ـ على هذا ـ ليس إلاّ إدراك أنّ الشيء ممّا ينبغي أن يفعل أو يترك. وليس للعقل إنشاء بعث وزجر ، ولا أمر ونهي ، إلاّ بمعنى أنّ هذا الإدراك يدعو العقل إلى العمل ، أي يكون سببا لحدوث الإرادة في نفسه للعمل وفعل ما ينبغي ؛ إذن ، المراد من الأحكام العقليّة هي مدركات العقل العمليّ وآراؤه.

ومن هنا تعرف أنّ المراد من العقل المدرك للحسن والقبح بالمعنى الأوّل هو العقل النظريّ ؛ لأنّ الكمال والنقص ممّا ينبغي أن يعلم ، لا ممّا ينبغي أن يعمل. نعم ، إذا أدرك العقل كمال الفعل أو نقصه ، فإنّه يدرك معه أنّه ينبغي فعله أو تركه ، فيستعين العقل العمليّ بالعقل النظريّ. أو فقل : «يحصّل العقل العمليّ فعلا بعد حصول العقل النظريّ».

وكذا المراد من العقل المدرك للحسن والقبح بالمعنى الثاني هو العقل النظريّ ؛ لأنّ الملاءمة وعدمها ، أو المصلحة والمفسدة ممّا ينبغي أن يعلم ، ويستتبع ذلك إدراك أنّه ينبغي الفعل أو الترك على طبق ما علم.

ومن العجيب ما جاء في جامع السعادات ؛ إذ يقول ـ ردّا على الشيخ الرئيس خرّيت هذه الصناعة ـ : «إنّ مطلق الإدراك والإرشاد إنّما هو من العقل النظريّ ، فهو بمنزلة المشير الناصح ، والعقل العمليّ بمنزلة المنفّذ المجري لإشاراته» (١).

وهذا منه خروج عن الاصطلاح ، وما ندري ما يقصد من العقل العمليّ إذا كان الإرشاد والنصح للعقل النظريّ؟ وليس هناك عقلان في الحقيقة كما قدّمنا ، بل هو عقل واحد ، ولكنّ الاختلاف في مدركاته ومتعلّقاته ، وللتمييز بين الموارد يسمّى تارة : «عمليّا» وأخرى «نظريّا» ؛ وكأنّه يريد من العقل العمليّ نفس التصميم والإرادة للعمل ، وتسمية الإرادة عقلا وضع جديد في اللغة.

__________________

(١) جامع السعادات ١ : ٩٢.

٤. أسباب حكم العقل العمليّ بالحسن والقبح

إنّ الإنسان إذ يدرك أنّ الشيء ينبغي فعله فيمدح فاعله ، أو لا ينبغي فعله فيذمّ فاعله ، لا يحصل له الإدراك جزافا واعتباطا ، وهذا شأن كلّ ممكن حادث ، بل لا بدّ له من سبب ؛ وسببه بالاستقراء أحد أمور خمسة نذكرها هنا لنذكر ما يدخل منها في محلّ النزاع في مسألة التحسين والتقبيح العقليّين ، فنقول :

الأوّل : أن يدرك أنّ هذا الشيء كمال للنفس أو نقص لها ، فإنّ إدراك العقل لكماله أو نقصه يدفعه للحكم بحسن فعله أو قبحه ، كما تقدّم قريبا (١) ؛ تحصيلا لذلك الكمال أو دفعا لذلك النقص.

الثاني : أن يدرك ملاءمة الشيء للنفس أو عدمها إمّا بنفسه أو لما فيه من نفع عامّ أو خاصّ ، فيدرك حسن فعله أو قبحه تحصيلا للمصلحة أو دفعا للمفسدة.

وكلّ من هذين الإدراكين ـ أعني إدراك الكمال أو النقص ، وإدراك الملاءمة أو عدمها ـ يكون على نحوين :

١. أن يكون الإدراك لواقعة جزئيّة خاصّة ، فيكون حكم الإنسان بالحسن والقبح بدافع المصلحة الشخصيّة. وهذا الإدراك لا يكون بقوّة العقل ؛ لأنّ العقل شأنه إدراك الأمور الكلّيّة لا الأمور الجزئيّة ، بل إنّما يكون إدراك الجزئيّة بقوّة الحسّ أو الواهم أو الخيال ، وإن كان مثل هذا الإدراك قد يستتبع مدحا أو ذمّا لفاعله ولكن هذا المدح أو الذّم لا ينبغي أن يسمّى «عقليّا» ، بل قد يسمّى ـ بالتعبير الحديث ـ «عاطفيّا» ؛ لأنّ سببه تحكيم العاطفة الشخصيّة ، ولا بأس بهذا التعبير.

٢. أن يكون الإدراك لأمر كلّيّ ، فيحكم الإنسان بحسن الفعل لكونه كمالا للنفس ، كالعلم والشجاعة ، أو لكونه فيه مصلحة نوعيّة ، كمصلحة العدل لحفظ النظام وبقاء النوع الإنسانيّ. فهذا الإدراك إنّما يكون بقوّة العقل بما هو عقل ، فيستتبع مدحا من جميع العقلاء.

وكذا في إدراك قبح الشيء باعتبار كونه نقصا للنفس ، كالجهل ، أو لكونه فيه مفسدة

__________________

(١) تقدّم في الصفحة : ٢٢٩.