درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۵۷: ملازمات عقلیه ۱۶

 

٤. أسباب حكم العقل العمليّ بالحسن والقبح

إنّ الإنسان إذ يدرك أنّ الشيء ينبغي فعله فيمدح فاعله ، أو لا ينبغي فعله فيذمّ فاعله ، لا يحصل له الإدراك جزافا واعتباطا ، وهذا شأن كلّ ممكن حادث ، بل لا بدّ له من سبب ؛ وسببه بالاستقراء أحد أمور خمسة نذكرها هنا لنذكر ما يدخل منها في محلّ النزاع في مسألة التحسين والتقبيح العقليّين ، فنقول :

الأوّل : أن يدرك أنّ هذا الشيء كمال للنفس أو نقص لها ، فإنّ إدراك العقل لكماله أو نقصه يدفعه للحكم بحسن فعله أو قبحه ، كما تقدّم قريبا (١) ؛ تحصيلا لذلك الكمال أو دفعا لذلك النقص.

الثاني : أن يدرك ملاءمة الشيء للنفس أو عدمها إمّا بنفسه أو لما فيه من نفع عامّ أو خاصّ ، فيدرك حسن فعله أو قبحه تحصيلا للمصلحة أو دفعا للمفسدة.

وكلّ من هذين الإدراكين ـ أعني إدراك الكمال أو النقص ، وإدراك الملاءمة أو عدمها ـ يكون على نحوين :

١. أن يكون الإدراك لواقعة جزئيّة خاصّة ، فيكون حكم الإنسان بالحسن والقبح بدافع المصلحة الشخصيّة. وهذا الإدراك لا يكون بقوّة العقل ؛ لأنّ العقل شأنه إدراك الأمور الكلّيّة لا الأمور الجزئيّة ، بل إنّما يكون إدراك الجزئيّة بقوّة الحسّ أو الواهم أو الخيال ، وإن كان مثل هذا الإدراك قد يستتبع مدحا أو ذمّا لفاعله ولكن هذا المدح أو الذّم لا ينبغي أن يسمّى «عقليّا» ، بل قد يسمّى ـ بالتعبير الحديث ـ «عاطفيّا» ؛ لأنّ سببه تحكيم العاطفة الشخصيّة ، ولا بأس بهذا التعبير.

٢. أن يكون الإدراك لأمر كلّيّ ، فيحكم الإنسان بحسن الفعل لكونه كمالا للنفس ، كالعلم والشجاعة ، أو لكونه فيه مصلحة نوعيّة ، كمصلحة العدل لحفظ النظام وبقاء النوع الإنسانيّ. فهذا الإدراك إنّما يكون بقوّة العقل بما هو عقل ، فيستتبع مدحا من جميع العقلاء.

وكذا في إدراك قبح الشيء باعتبار كونه نقصا للنفس ، كالجهل ، أو لكونه فيه مفسدة

__________________

(١) تقدّم في الصفحة : ٢٢٩.

نوعيّة ، كالظلم ، فيدرك العقل بما هو عقل ذلك ويستتبع ذمّا من جميع العقلاء. فهذا المدح والذمّ إذا تطابقت عليه آراء جميع العقلاء باعتبار تلك المصلحة أو المفسدة النوعيّتين ، أو باعتبار ذلك الكمال أو النقص النوعيّين فإنّه يعتبر من الأحكام العقليّة التي هي موضع النزاع. وهو معنى الحسن والقبح العقليّين الذي هو محلّ النفي والإثبات. وتسمّى هذه الأحكام العقليّة العامّة «الآراء المحمودة» و «التأديبات الصلاحيّة». وهي من قسم القضايا المشهورات التي هي قسم برأسه في مقابل القضايا الضروريّات. فهذه القضايا غير معدودة من قسم الضروريّات ، كما توهّمه بعض الناس (١) ومنهم الأشاعرة ، كما سيأتي في دليلهم (٢). وقد أوضحت ذلك في الجزء الثالث من المنطق في مبادئ القياسات ، فراجع (٣).

ومن هنا يتّضح لكم جيّدا أنّ العدليّة ـ إذ يقولون بالحسن والقبح العقليّين ـ يريدون أنّ الحسن والقبح من الآراء المحمودة والقضايا المشهورة المعدودة من التأديبات الصلاحيّة ، وهي التي تطابقت عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء.

والقضايا المشهورة ليس لها واقع وراء تطابق الآراء ـ أي إنّ واقعها ذلك ـ. فمعنى حسن العدل أو العلم عندهم أنّ فاعله ممدوح لدى العقلاء ، ومعنى قبح الظلم والجهل أنّ فاعله مذموم لديهم. (٤)

ويكفينا شاهدا على ما نقول ـ من دخول أمثال هذه القضايا في المشهورات الصرفة التي لا واقع لها إلاّ الشهرة ، وأنّها ليست من قسم الضروريّات ـ ما قاله الشيخ الرّئيس في منطق الإشارات : «ومنها الآراء المسمّاة بالمحمودة. وربّما خصّصناها باسم المشهورة ؛ إذ لا عمدة لها إلاّ الشهرة ، وهي آراء لو خلّي الإنسان وعقله المجرّد ووهمه وحسّه ولم يؤدّب بقبول قضاياها والاعتراف بها ... لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو

__________________

(١) كقطب الدين الرازي في تعليقاته على شرح الإشارات ١ : ٢١٩ ـ ٢٢٠.

(٢) يأتي في الصفحة : ٢٣٩.

(٣) المنطق ٣ : ٢٩٤ ـ ٢٩٦.

(٤) ولا ينافي هذا أنّ العلم حسن من جهة أخرى وهي جهة كونه كمالا للنفس ، والجهل قبيح لكونه نقصانا. ـ منه رحمه‌الله ـ.