درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۵۹: ملازمات عقلیه ۱۸

 

نوعيّة ، كالظلم ، فيدرك العقل بما هو عقل ذلك ويستتبع ذمّا من جميع العقلاء. فهذا المدح والذمّ إذا تطابقت عليه آراء جميع العقلاء باعتبار تلك المصلحة أو المفسدة النوعيّتين ، أو باعتبار ذلك الكمال أو النقص النوعيّين فإنّه يعتبر من الأحكام العقليّة التي هي موضع النزاع. وهو معنى الحسن والقبح العقليّين الذي هو محلّ النفي والإثبات. وتسمّى هذه الأحكام العقليّة العامّة «الآراء المحمودة» و «التأديبات الصلاحيّة». وهي من قسم القضايا المشهورات التي هي قسم برأسه في مقابل القضايا الضروريّات. فهذه القضايا غير معدودة من قسم الضروريّات ، كما توهّمه بعض الناس (١) ومنهم الأشاعرة ، كما سيأتي في دليلهم (٢). وقد أوضحت ذلك في الجزء الثالث من المنطق في مبادئ القياسات ، فراجع (٣).

ومن هنا يتّضح لكم جيّدا أنّ العدليّة ـ إذ يقولون بالحسن والقبح العقليّين ـ يريدون أنّ الحسن والقبح من الآراء المحمودة والقضايا المشهورة المعدودة من التأديبات الصلاحيّة ، وهي التي تطابقت عليها آراء العقلاء بما هم عقلاء.

والقضايا المشهورة ليس لها واقع وراء تطابق الآراء ـ أي إنّ واقعها ذلك ـ. فمعنى حسن العدل أو العلم عندهم أنّ فاعله ممدوح لدى العقلاء ، ومعنى قبح الظلم والجهل أنّ فاعله مذموم لديهم. (٤)

ويكفينا شاهدا على ما نقول ـ من دخول أمثال هذه القضايا في المشهورات الصرفة التي لا واقع لها إلاّ الشهرة ، وأنّها ليست من قسم الضروريّات ـ ما قاله الشيخ الرّئيس في منطق الإشارات : «ومنها الآراء المسمّاة بالمحمودة. وربّما خصّصناها باسم المشهورة ؛ إذ لا عمدة لها إلاّ الشهرة ، وهي آراء لو خلّي الإنسان وعقله المجرّد ووهمه وحسّه ولم يؤدّب بقبول قضاياها والاعتراف بها ... لم يقض بها الإنسان طاعة لعقله أو وهمه أو

__________________

(١) كقطب الدين الرازي في تعليقاته على شرح الإشارات ١ : ٢١٩ ـ ٢٢٠.

(٢) يأتي في الصفحة : ٢٣٩.

(٣) المنطق ٣ : ٢٩٤ ـ ٢٩٦.

(٤) ولا ينافي هذا أنّ العلم حسن من جهة أخرى وهي جهة كونه كمالا للنفس ، والجهل قبيح لكونه نقصانا. ـ منه رحمه‌الله ـ.

حسّه ، مثل حكمنا بأنّ سلب مال الإنسان قبيح ، وأنّ الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه ...» (١). وهكذا وافقه شارحها العظيم الخواجه نصير الدين الطوسي (٢).

الثالث : ومن أسباب الحكم بالحسن والقبح «الخلق الإنسانيّ» الموجود في كلّ إنسان على اختلافهم في أنواعه ، نحو خلق الكرم والشجاعة ، فإنّ وجود هذا الخلق يكون سببا لإدراك أنّ أفعال الكرم ـ مثلا ـ ممّا ينبغي فعلها فيمدح فاعلها ، وأفعال البخل ممّا ينبغي تركها فيذمّ فاعلها.

وهذا الحكم من العقل قد لا يكون من جهة المصلحة العامّة أو المفسدة العامّة ولا من جهة الكمال للنفس أو النقص ، بل بدافع الخلق الموجود.

وإذا كان هذا الخلق عامّا بين جميع العقلاء ، يكون هذا الحسن والقبح مشهورين بينهم تتطابق عليهما آراؤهم. ولكن إنّما يدخل في محلّ النزاع إذا كان الخلق من جهة أخرى فيه كمال للنفس أو مصلحة عامّة نوعيّة ، فيدعو ذلك إلى المدح والذمّ. ويجب الرجوع في هذا القسم إلى ما ذكرته من «الخلقيّات» في المنطق (٣) لتعرف توجيه قضاء الخلق الإنسانيّ بهذه المشهورات.

الرابع : ومن أسباب الحكم بالحسن والقبح «الانفعال النفسانيّ» ، نحو الرقّة والرحمة والشفقة والحياء والأنفة والحميّة والغيرة ... إلى غير ذلك من انفعالات النفس التي لا يخلو منها إنسان غالبا.

فنرى الجمهور يحكم بقبح تعذيب الحيوان اتّباعا لما في الغريزة من الرقّة والعطف. والجمهور يمدح من يعين الضعفاء والمرضى ويعني برعاية الأيتام والمجانين بل الحيوانات ؛ لأنّه مقتضى الرحمة والشفقة. ويحكم بقبح كشف العورة والكلام البذيء ؛ لأنّه مقتضى الحياء. ويمدح المدافع عن الأهل والعشيرة والوطن والأمّة ؛ لأنّه مقتضى الغيرة والحميّة ... إلى غير ذلك من أمثال هذه الأحكام العامّة بين الناس.

__________________

(١) شرح الإشارات ١ : ٢١٩ ـ ٢٢٠.

(٢) المصدر السابق.

(٣) المنطق ٣ : ٢٩٦ ـ ٢٩٧.