درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۶۰: ملازمات عقلیه ۱۹

 

حسّه ، مثل حكمنا بأنّ سلب مال الإنسان قبيح ، وأنّ الكذب قبيح لا ينبغي أن يقدم عليه ...» (١). وهكذا وافقه شارحها العظيم الخواجه نصير الدين الطوسي (٢).

الثالث : ومن أسباب الحكم بالحسن والقبح «الخلق الإنسانيّ» الموجود في كلّ إنسان على اختلافهم في أنواعه ، نحو خلق الكرم والشجاعة ، فإنّ وجود هذا الخلق يكون سببا لإدراك أنّ أفعال الكرم ـ مثلا ـ ممّا ينبغي فعلها فيمدح فاعلها ، وأفعال البخل ممّا ينبغي تركها فيذمّ فاعلها.

وهذا الحكم من العقل قد لا يكون من جهة المصلحة العامّة أو المفسدة العامّة ولا من جهة الكمال للنفس أو النقص ، بل بدافع الخلق الموجود.

وإذا كان هذا الخلق عامّا بين جميع العقلاء ، يكون هذا الحسن والقبح مشهورين بينهم تتطابق عليهما آراؤهم. ولكن إنّما يدخل في محلّ النزاع إذا كان الخلق من جهة أخرى فيه كمال للنفس أو مصلحة عامّة نوعيّة ، فيدعو ذلك إلى المدح والذمّ. ويجب الرجوع في هذا القسم إلى ما ذكرته من «الخلقيّات» في المنطق (٣) لتعرف توجيه قضاء الخلق الإنسانيّ بهذه المشهورات.

الرابع : ومن أسباب الحكم بالحسن والقبح «الانفعال النفسانيّ» ، نحو الرقّة والرحمة والشفقة والحياء والأنفة والحميّة والغيرة ... إلى غير ذلك من انفعالات النفس التي لا يخلو منها إنسان غالبا.

فنرى الجمهور يحكم بقبح تعذيب الحيوان اتّباعا لما في الغريزة من الرقّة والعطف. والجمهور يمدح من يعين الضعفاء والمرضى ويعني برعاية الأيتام والمجانين بل الحيوانات ؛ لأنّه مقتضى الرحمة والشفقة. ويحكم بقبح كشف العورة والكلام البذيء ؛ لأنّه مقتضى الحياء. ويمدح المدافع عن الأهل والعشيرة والوطن والأمّة ؛ لأنّه مقتضى الغيرة والحميّة ... إلى غير ذلك من أمثال هذه الأحكام العامّة بين الناس.

__________________

(١) شرح الإشارات ١ : ٢١٩ ـ ٢٢٠.

(٢) المصدر السابق.

(٣) المنطق ٣ : ٢٩٦ ـ ٢٩٧.

ولكن هذا الحسن والقبح لا يعدّان حسنا وقبحا عقليّين ، بل ينبغي أن يسمّيا «عاطفيّين» أو «انفعاليّين». وتسمّى القضايا هذه عند المنطقيّين بـ «الانفعاليّات». ولأجل هذا لا يدخل هذا الحسن والقبح في محلّ النزاع مع الأشاعرة ، ولا نقول نحن بلزوم متابعة الشرع للجمهور في هذه الأحكام ؛ لأنّه ليس للشارع هذه الانفعالات ؛ بل يستحيل وجودها فيه ؛ لأنّها من صفات الممكن. وإنّما نحن نقول بملازمة حكم الشارع لحكم العقل بالحسن والقبح في الآراء المحمودة والتأديبات الصلاحيّة ـ على ما سيأتي (١) ـ ، فباعتبار أنّ الشارع من العقلاء بل رئيسهم ، بل خالق العقل فلا بدّ أن يحكم بحكمهم بما هم عقلاء ، ولكن لا يجب أن يحكم بحكمهم بما هم عاطفيّون. ولا نقول : إنّ الشارع يتابع الناس في أحكامهم متابعة مطلقة.

الخامس : ومن الأسباب «العادة عند الناس» ، كاعتيادهم احترام القادم ـ مثلا ـ بالقيام له ، واحترام الضيف بالطعام ، فيحكمون لأجل ذلك بحسن القيام للقادم وإطعام الضيف.

والعادات العامّة كثيرة ومتنوّعة ، فقد تكون العادة تختصّ بأهل بلد أو قطر أو أمّة ، وقد تعمّ جميع الناس في جميع العصور أو في عصر. فتختلف لأجل ذلك ، القضايا التي يحكم بها بحسب العادة ، فتكون مشهورة عند القوم الذين لهم تلك العادة دون غيرهم.

وكما يمدح الناس المحافظين على العادات العامّة يذمّون المستهينين بها ، سواء كانت العادة حسنة من ناحية عقليّة أو عاطفيّة أو شرعيّة ، أو سيّئة قبيحة من إحدى هذه النواحي ، فتراهم يذمّون من يرسل لحيته إذا اعتادوا حلقها ويذمّون الحليق إذا اعتادوا إرسالها ، وتراهم يذمّون من يلبس غير المألوف عندهم لمجرّد أنّهم لم يعتادوا لبسه ، بل ربّما يسخرون به أو يعدّونه مارقا.

وهذا الحسن والقبح أيضا ليسا عقليّين ، بل ينبغي أن يسمّيا «عاديّين» ؛ لأنّ منشأهما العادة. وتسمّى القضايا فيهما في عرف المناطقة «العاديّات». ولذا لا يدخل أيضا هذا الحسن والقبح في محلّ النزاع. ولا نقول نحن ـ أيضا ـ بلزوم متابعة الشارع للناس في أحكامهم هذه ؛ لأنّهم لم يحكموا فيها بما هم عقلاء بل بما هم معتادون ، أي بدافع العادة.

__________________

(١) يأتي في الصفحة : ٢٤٤ و ٢٤٦.

نعم ، بعض العادات قد يكون موضوعا لحكم الشارع ، مثل حكمه بحرمة لباس الشهرة ، أي اللباس غير المعتاد لبسه عند الناس ، ولكن هذا الحكم لا لأجل المتابعة لحكم الناس ، بل لأنّ مخالفة الناس في زيّهم على وجه يثير فيهم السخريّة والاشمئزاز فيها مفسدة موجبة لحرمة هذا اللباس شرعا ، وهذا شيء آخر غير ما نحن فيه.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا ـ وقد أطلنا الكلام لغرض كشف الموضوع كشفا تامّا ـ أنّه ليس كلّ حسن وقبح بالمعنى الثالث موضوعا للنزاع مع الأشاعرة ، بل خصوص ما كان سببه إدراك كمال الشيء أو نقصه على نحو كلّي ، وما كان سببه إدراك ملاءمته أو عدمها على نحو كلّي أيضا من جهة مصلحة نوعيّة أو مفسدة نوعيّة ؛ فإنّ الأحكام العقليّة الناشئة من هذه الأسباب هي أحكام للعقلاء بما هم عقلاء ، وهي التي ندّعي فيها أنّ الشارع لا بدّ أن يتابعهم في حكمهم. وبهذا تعرف ما وقع من الخلط في كلام جملة من الباحثين عن هذا الموضوع.

٥. معنى الحسن والقبح الذاتيّين

إنّ الحسن والقبح بالمعنى الثالث ينقسمان إلى ثلاثة أقسام :

١. ما هو علّة للحسن والقبح ، ويسمّى الحسن والقبح فيه بـ «الذاتيّين» ، مثل العدل والظلم ، والعلم والجهل ؛ فإنّ العدل بما هو عدل لا يكون إلاّ حسنا أبدا ، أي إنّه متى ما صدق عنوان العدل فإنّه لا بدّ أن يمدح عليه فاعله عند العقلاء ويعدّ عندهم محسنا ، وكذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلاّ قبيحا ، أي إنّه متى ما صدق عنوان الظلم فإنّ فاعله مذموم عندهم ويعدّ مسيئا.

٢. ما هو مقتض لهما ، ويسمّى الحسن والقبح فيه بـ «العرضيّين» ، مثل تعظيم الصديق وتحقيره ، فإنّ تعظيم الصديق ـ لو خلّي ونفسه ـ فهو حسن ممدوح عليه ، وتحقيره كذلك قبيح لو خلّي ونفسه ؛ ولكن تعظيم الصديق بعنوان أنّه تعظيم الصديق يجوز أن يكون قبيحا مذموما ، كما إذا كان سببا لظلم ثالث ، بخلاف العدل فإنّه يستحيل أن يكون قبيحا مع بقاء صدق عنوان العدل. كذلك تحقير الصديق بعنوان أنّه تحقير له يجوز أن يكون حسنا