درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۶۱: ملازمات عقلیه ۲۰

 

نعم ، بعض العادات قد يكون موضوعا لحكم الشارع ، مثل حكمه بحرمة لباس الشهرة ، أي اللباس غير المعتاد لبسه عند الناس ، ولكن هذا الحكم لا لأجل المتابعة لحكم الناس ، بل لأنّ مخالفة الناس في زيّهم على وجه يثير فيهم السخريّة والاشمئزاز فيها مفسدة موجبة لحرمة هذا اللباس شرعا ، وهذا شيء آخر غير ما نحن فيه.

فتحصّل من جميع ما ذكرنا ـ وقد أطلنا الكلام لغرض كشف الموضوع كشفا تامّا ـ أنّه ليس كلّ حسن وقبح بالمعنى الثالث موضوعا للنزاع مع الأشاعرة ، بل خصوص ما كان سببه إدراك كمال الشيء أو نقصه على نحو كلّي ، وما كان سببه إدراك ملاءمته أو عدمها على نحو كلّي أيضا من جهة مصلحة نوعيّة أو مفسدة نوعيّة ؛ فإنّ الأحكام العقليّة الناشئة من هذه الأسباب هي أحكام للعقلاء بما هم عقلاء ، وهي التي ندّعي فيها أنّ الشارع لا بدّ أن يتابعهم في حكمهم. وبهذا تعرف ما وقع من الخلط في كلام جملة من الباحثين عن هذا الموضوع.

٥. معنى الحسن والقبح الذاتيّين

إنّ الحسن والقبح بالمعنى الثالث ينقسمان إلى ثلاثة أقسام :

١. ما هو علّة للحسن والقبح ، ويسمّى الحسن والقبح فيه بـ «الذاتيّين» ، مثل العدل والظلم ، والعلم والجهل ؛ فإنّ العدل بما هو عدل لا يكون إلاّ حسنا أبدا ، أي إنّه متى ما صدق عنوان العدل فإنّه لا بدّ أن يمدح عليه فاعله عند العقلاء ويعدّ عندهم محسنا ، وكذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون إلاّ قبيحا ، أي إنّه متى ما صدق عنوان الظلم فإنّ فاعله مذموم عندهم ويعدّ مسيئا.

٢. ما هو مقتض لهما ، ويسمّى الحسن والقبح فيه بـ «العرضيّين» ، مثل تعظيم الصديق وتحقيره ، فإنّ تعظيم الصديق ـ لو خلّي ونفسه ـ فهو حسن ممدوح عليه ، وتحقيره كذلك قبيح لو خلّي ونفسه ؛ ولكن تعظيم الصديق بعنوان أنّه تعظيم الصديق يجوز أن يكون قبيحا مذموما ، كما إذا كان سببا لظلم ثالث ، بخلاف العدل فإنّه يستحيل أن يكون قبيحا مع بقاء صدق عنوان العدل. كذلك تحقير الصديق بعنوان أنّه تحقير له يجوز أن يكون حسنا

ممدوحا عليه ، كما إذا كان سببا لنجاته ، ولكن يستحيل أن يكون الظلم حسنا مع بقاء صدق عنوان الظلم.

٣. ما لا علّية له ولا اقتضاء فيه في نفسه للحسن والقبح أصلا ، وإنّما قد يتّصف بالحسن تارة إذا انطبق عليه عنوان حسن ، كالعدل ، وقد يتّصف بالقبح أخرى إذا انطبق عليه عنوان قبيح ، كالظلم. وقد لا ينطبق عليه عنوان أحدهما فلا يكون حسنا ولا قبيحا ، كالضرب ـ مثلا ـ ، فإنّه حسن للتأديب ، وقبيح للتشفّي ، ولا حسن ولا قبيح كضرب غير ذي الروح.

ومعنى كون الحسن أو القبح ذاتيّا أنّ العنوان المحكوم عليه بأحدهما بما هو في نفسه وفي حدّ ذاته يكون محكوما به ، لا من جهة اندراجه تحت عنوان آخر. فلا يحتاج إلى واسطة في اتّصافه بأحدهما.

ومعنى كونه مقتضيا لأحدهما أنّ العنوان ليس في حدّ ذاته متّصفا به ، بل بتوسّط عنوان آخر ، ولكنّه ـ لو خلّي وطبعه ـ كان داخلا تحت العنوان الحسن أو القبيح ، ألا ترى تعظيم الصديق ـ لو خلّي ونفسه ـ يدخل تحت عنوان العدل الذي هو حسن في ذاته ، أي بهذا الاعتبار تكون له مصلحة نوعيّة عامّة ؛ أمّا لو كان سببا لهلاك نفس محترمة كان قبيحا ؛ لأنّه يدخل حينئذ بما هو تعظيم الصديق تحت عنوان الظلم ولا يخرج عن عنوان كونه تعظيما للصديق.

وكذلك يقال في تحقير الصديق ، فإنّه ـ لو خلّي ونفسه ـ يدخل تحت عنوان الظلم الذي هو قبيح بحسب ذاته ، أي بهذا الاعتبار تكون له مفسدة نوعيّة عامّة ؛ فلو كان سببا لنجاة نفس محترمة كان حسنا ؛ لأنّه يدخل حينئذ تحت عنوان العدل ، ولا يخرج عن عنوان كونه تحقيرا للصديق.

وأمّا العناوين التي من القسم الثالث فليست في حدّ ذاتها لو خلّيت وأنفسها داخلة تحت عنوان حسن أو قبيح ، فلذلك لا تكون لها علّيّة ولا اقتضاء.

وعلى هذا يتّضح معنى العلّيّة والاقتضاء هنا ، فإنّ المراد من العلّيّة أنّ العنوان بنفسه هو تمام موضوع حكم العقلاء بالحسن أو القبح. والمراد من الاقتضاء أنّ العنوان ـ لو خلّي وطبعه ـ يكون داخلا فيما هو موضوع لحكم العقلاء بالحسن أو القبح. وليس المراد من

العلّيّة والاقتضاء ما هو معروف من معناهما أنّه بمعنى التأثير والإيجاد ، فإنّه من البديهيّ أنّه لا علّيّة ولا اقتضاء لعناوين الأفعال في أحكام العقلاء إلاّ من باب علّيّة الموضوع لمحموله.

٦. أدلّة الطرفين

بتقديم الأمور السابقة نستطيع أن نواجه أدلّة الطرفين بعين بصيرة ؛ لنعطي الحكم العادل لأحدهما ونأخذ النتيجة المطلوبة. ونحن نبحث عن ذلك في عدّة موادّ ، فنقول :

١. إنّا ذكرنا أنّ قضيّة الحسن والقبح من القضايا المشهورات ، وأشرنا إلى ما كنتم درستموه في الجزء الثالث من المنطق من أنّ المشهورات قسم يقابل الضروريّات الستّ كلّها. ومنه نعرف المغالطة في دليل الأشاعرة ، وهو أهمّ أدلّتهم ؛ إذ يقولون :

«لو كانت قضيّة الحسن والقبح ممّا يحكم به العقل لما كان فرق بين حكمه في هذه القضيّة وبين حكمه بأنّ الكلّ أعظم من الجزء. ولكنّ الفرق موجود قطعا ؛ إذ الحكم الثاني لا يختلف فيه اثنان مع وقوع الاختلاف في الأوّل» (١).

وهذا الدليل من نوع القياس الاستثنائيّ قد استثني فيه نقيض التالي لينتج نقيض المقدّم.

والجواب عنه : أنّ المقدّمة الأولى ـ وهي الجملة الشرطيّة ـ ممنوعة ، ومنعها يعلم ممّا تقدّم آنفا ؛ لأنّ قضيّة الحسن والقبح ـ كما قلنا ـ من المشهورات ، وقضيّة أنّ الكلّ أعظم من الجزء من الأوّليّات اليقينيّات ، فلا ملازمة بينهما. وليس هما من باب واحد حتّى يلزم من كون القضيّة الأولى ممّا يحكم به العقل ألاّ يكون فرق بينها وبين القضية الثانية. وينبغي أن نذكر جميع الفروق بين المشهورات هذه وبين الأوّليّات ، ليكون أكثر وضوحا بطلان قياس إحداهما على الأخرى. والفارق من وجوه ثلاثة :

الأوّل : أنّ الحاكم في قضايا التأديبات العقل العمليّ ، والحاكم في الأوّليّات العقل النظريّ.

__________________

(١) التحقيق أنّ ما ذكر ليس من أدلّتهم ، فضلا عن كونه من أهمّها ، بل هو اعتراض تعرّض له ابن ميثم في قواعد المرام : ١٠٥ ، ثم أجاب عنه. وتعرّض له القوشجيّ أيضا بعنوان «اعتراض» ، راجع شرح التجريد للقوشجي : ٣٣٩.