درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۶۴: ملازمات عقلیه ۲۳

 

الثاني : أنّ القضيّة التأديبيّة لا واقع لها إلاّ تطابق آراء العقلاء ، والأوّليّات لها واقع خارجيّ.

الثالث : أنّ القضيّة التأديبيّة لا يجب أن يحكم بها كلّ عاقل لو خلّي ونفسه ، ولم يتأدّب بقبولها والاعتراف بها ، كما قال الشيخ الرئيس على ما نقلناه من عبارته فيما سبق في الأمر الثاني ، وليس كذلك القضيّة الأوّليّة التي يكفي تصوّر طرفيها في الحكم ، فإنّه لا بدّ ألاّ يشكّ عاقل في الحكم بها لأوّل وهلة.

٢. ومن أدلّتهم على إنكار الحسن والقبح العقليّين أن قالوا : إنّه لو كان ذلك عقليّا لما اختلف حسن الأشياء وقبحها باختلاف الوجوه والاعتبارات ، كالصدق ؛ إذ يكون مرّة ممدوحا عليه وأخرى مذموما عليه إذا كان فيه ضرر كبير. وكذلك الكذب بالعكس يكون [مرّة] مذموما عليه و [أخرى] ممدوحا عليه إذا كان فيه نفع كبير ؛ كالضرب والقيام والقعود ونحوها ممّا يختلف حسنه وقبحه (١).

والجواب عن هذا الدليل وأشباهه يظهر ممّا ذكرناه من أنّ حسن الأشياء وقبحها على أنحاء ثلاثة ، فما كان ذاتيّا لا يقع فيه اختلاف ؛ فإنّ العدل بما هو عدل لا يكون قبيحا أبدا ، وكذلك الظلم بما هو ظلم لا يكون حسنا أبدا ، أي إنّه ما دام عنوان العدل صادقا فهو ممدوح ، وما دام عنوان الظلم صادقا فهو مذموم.

وأمّا : ما كان عرضيّا فإنّه يختلف بالوجوه والاعتبارات ، فمثلا الصدق إن دخل تحت عنوان العدل كان ممدوحا ، وإن دخل تحت عنوان الظلم كان قبيحا. وكذلك الكذب وما ذكر من الأمثلة.

والخلاصة أنّ العدليّة لا يقولون بأنّ جميع الأشياء لا بدّ أن تتّصف بالحسن أبدا أو بالقبح أبدا ، حتّى يلزم ما ذكر من الإشكال.

٣. وقد استدلّ العدليّة على مذهبهم بما خلاصته «أنّه من المعلوم ضرورة حسن الإحسان وقبح الظلم عند كلّ عاقل من غير اعتبار شرع ، فإنّ ذلك يدركه حتّى منكر الشرائع» (٢).

__________________

(١) شرح المقاصد ٤ : ٢٨٤ ؛ شرح التجريد للقوشجيّ : ٣٣٩.

(٢) كشف المراد : ٣٠٣ ، مفتاح الباب : ١٥٣.

وأجيب عنه بأنّ الحسن والقبح في ذلك بمعنى الملاءمة والمنافرة أو بمعنى صفة الكمال والنقص ، وهو مسلّم لا نزاع فيه. وأمّا بالمعنى المتنازع فيه فإنّا لا نسلّم جزم العقلاء به. (١)

ونحن نقول : إنّ من يدّعي ضرورة حكم العقلاء بحسن الإحسان وقبح الظلم يدّعي ضرورة مدحهم لفاعل الإحسان وذمّهم لفاعل الظلم. ولا شكّ في أنّ هذا المدح والذمّ من العقلاء ضروريّان ؛ لتواترهما عن جميع الناس ، ومنكرهما مكابر. والذي يدفع العقلاء لهذا ـ كما قدّمنا ـ شعورهم بأنّ العدل كمال للعادل ، وملاءمته لمصلحة النوع الإنسانيّ وبقائه ، وشعورهم بنقص الظلم ، ومنافرته لمصلحة النوع الإنسانيّ وبقائه.

٤. واستدلّ العدليّة أيضا بأنّ الحسن والقبح لو كانا لا يثبتان إلاّ من طريق الشرع ، فهما لا يثبتان أصلا حتّى من طريق الشرع. (٢)

وقد صوّر بعضهم (٣) هذه الملازمة على النحو الآتي :

إنّ الشارع إذا أمر بشيء فلا يكون حسنا إلاّ مدح مع ذلك الفاعل عليه ، وإذا نهى عن شيء فلا يكون قبيحا إلاّ إذا ذمّ الفاعل عليه. ومن أين تعرف أنّه يجب أن يمدح الشارع فاعل المأمور به ويذمّ فاعل المنهيّ عنه ، إلاّ إذا كان ذلك واجبا عقلا؟ فتوقّف حسن المأمور به وقبح المنهيّ عنه على حكم العقل ، وهو المطلوب.

ثمّ لو ثبت أنّ الشارع مدح فاعل المأمور به وذمّ فاعل المنهيّ عنه ، والمفروض أنّ مدح الشارع ثوابه وذمّه عقابه ، فمن أين نعرف أنّه صادق في مدحه وذمّه ، إلاّ إذا ثبت أنّ الكذب قبيح عقلا يستحيل عليه؟ فيتوقّف ثبوت الحسن والقبح شرعا على ثبوتهما عقلا ، فلو لم يكن لهما ثبوت عقلا فلا ثبوت لهما شرعا.

وقد أجاب بعض الأشاعرة (٤) عن هذا التصوير بأنّه يكفي في كون الشيء حسنا أن يتعلّق

__________________

(١) هكذا أجاب عنه التفتازاني في شرح المقاصد ٤ : ٢٩١.

(٢) كشف المراد : ٣٠٣.

(٣) كالحكيم السبزواريّ في شرح الأسماء الحسنى : ٣٢١. وصوّرها ابن ميثم على النحو الآخر ، كما صوّرها العلاّمة على النحو الثالث ، فراجع قواعد المرام : ١٠٦ ، وكشف المراد : ٣٠٣.

(٤) وهو التفتازاني في شرح المقاصد ٤ : ٢٩٢ ، والقوشجيّ في شرح التجريد : ٣٤٠.