درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۶۵: ملازمات عقلیه ۲۴

 

وأجيب عنه بأنّ الحسن والقبح في ذلك بمعنى الملاءمة والمنافرة أو بمعنى صفة الكمال والنقص ، وهو مسلّم لا نزاع فيه. وأمّا بالمعنى المتنازع فيه فإنّا لا نسلّم جزم العقلاء به. (١)

ونحن نقول : إنّ من يدّعي ضرورة حكم العقلاء بحسن الإحسان وقبح الظلم يدّعي ضرورة مدحهم لفاعل الإحسان وذمّهم لفاعل الظلم. ولا شكّ في أنّ هذا المدح والذمّ من العقلاء ضروريّان ؛ لتواترهما عن جميع الناس ، ومنكرهما مكابر. والذي يدفع العقلاء لهذا ـ كما قدّمنا ـ شعورهم بأنّ العدل كمال للعادل ، وملاءمته لمصلحة النوع الإنسانيّ وبقائه ، وشعورهم بنقص الظلم ، ومنافرته لمصلحة النوع الإنسانيّ وبقائه.

٤. واستدلّ العدليّة أيضا بأنّ الحسن والقبح لو كانا لا يثبتان إلاّ من طريق الشرع ، فهما لا يثبتان أصلا حتّى من طريق الشرع. (٢)

وقد صوّر بعضهم (٣) هذه الملازمة على النحو الآتي :

إنّ الشارع إذا أمر بشيء فلا يكون حسنا إلاّ مدح مع ذلك الفاعل عليه ، وإذا نهى عن شيء فلا يكون قبيحا إلاّ إذا ذمّ الفاعل عليه. ومن أين تعرف أنّه يجب أن يمدح الشارع فاعل المأمور به ويذمّ فاعل المنهيّ عنه ، إلاّ إذا كان ذلك واجبا عقلا؟ فتوقّف حسن المأمور به وقبح المنهيّ عنه على حكم العقل ، وهو المطلوب.

ثمّ لو ثبت أنّ الشارع مدح فاعل المأمور به وذمّ فاعل المنهيّ عنه ، والمفروض أنّ مدح الشارع ثوابه وذمّه عقابه ، فمن أين نعرف أنّه صادق في مدحه وذمّه ، إلاّ إذا ثبت أنّ الكذب قبيح عقلا يستحيل عليه؟ فيتوقّف ثبوت الحسن والقبح شرعا على ثبوتهما عقلا ، فلو لم يكن لهما ثبوت عقلا فلا ثبوت لهما شرعا.

وقد أجاب بعض الأشاعرة (٤) عن هذا التصوير بأنّه يكفي في كون الشيء حسنا أن يتعلّق

__________________

(١) هكذا أجاب عنه التفتازاني في شرح المقاصد ٤ : ٢٩١.

(٢) كشف المراد : ٣٠٣.

(٣) كالحكيم السبزواريّ في شرح الأسماء الحسنى : ٣٢١. وصوّرها ابن ميثم على النحو الآخر ، كما صوّرها العلاّمة على النحو الثالث ، فراجع قواعد المرام : ١٠٦ ، وكشف المراد : ٣٠٣.

(٤) وهو التفتازاني في شرح المقاصد ٤ : ٢٩٢ ، والقوشجيّ في شرح التجريد : ٣٤٠.

به الأمر ، وفي كونه قبيحا أن يتعلّق به النهي ـ حسب الفرض ـ ، [وهما] ثابتان وجدانا ، ولا حاجة إلى فرض ثبوت مدح وذمّ من الشارع.

وهذا الكلام ـ في الحقيقة ـ يرجع إلى أصل النزاع في معنى الحسن والقبح ، فيكون الدليل وجوابه صرف دعوى ومصادرة على المطلوب ؛ لأنّ المستدلّ يرجع قوله إلى أنّه يجب المدح والذمّ عقلا ، لأنّهما واجبان في اتّصاف الشيء بالحسن والقبح ، والمجيب يرجع قوله إلى أنّهما لا يجبان عقلا ، لأنّهما غير واجبين في الحسن والقبح.

والأحسن تصوير الدليل على وجه آخر ، فنقول :

إنّه من المسلّم عند الطرفين وجوب طاعة الأوامر والنواهي الشرعيّة ، وكذلك وجوب المعرفة. وهذا الوجوب عند الأشاعرة وجوب شرعيّ حسب دعواهم ، فنقول لهم : من أين يثبت هذا الوجوب؟ لا بدّ أن يثبت بأمر من الشارع ؛ فننقل الكلام إلى هذا الأمر ، فنقول لهم : من أين تجب طاعة هذا الأمر؟ فإن كان هذا الوجوب عقليّا فهو المطلوب ، وإن كان شرعيّا أيضا فلا بدّ له من أمر ولا بدّ له من طاعة ، فننقل الكلام إليه ... وهكذا نمضي إلى غير النهاية ، ولا نقف حتّى ننتهي إلى طاعة وجوبها عقليّ لا يتوقّف على أمر الشارع ، وهو المطلوب.

بل ثبوت الشرائع من أصلها يتوقّف على التحسين والتقبيح العقليّين ، ولو كان ثبوتها من طريق شرعيّ ، لاستحال ثبوتها ؛ لأنّا ننقل الكلام إلى هذا الطريق الشرعيّ فيتسلسل إلى غير النهاية.

والنتيجة أنّ ثبوت الحسن والقبح شرعا يتوقّف على ثبوتهما عقلا.

المبحث الثاني : إدراك العقل للحسن والقبح

بعد ما تقدّم من ثبوت الحسن والقبح العقليّين في الأفعال ، فقد نسب بعضهم (١) إلى جماعة

__________________

(١) لم أعثر على من نسبه إليهم صريحا. قال الشيخ الأنصاريّ في فرائد الأصول ١ : ١٥ : «وينسب إلى غير واحد من أصحابنا الأخباريّين عدم الاعتماد على القطع الحاصل من المقدّمات العقليّة القطعيّة غير الضروريّة». ـ