درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۷۲: ملازمات عقلیه ۳۱

 

الأمر المولويّ ، إلاّ إذا لزم منه محال التسلسل ، كالأمر بالطاعة والأمر بالمعرفة ؛ بل مثل هذه الموارد لا معنى لأن يكون الأمر فيها مولويّا ؛ لأنّه لا يترتّب على موافقته غير ما يترتّب على متعلّق المأمور به ، نظير الأمر بالاحتياط في أطراف العلم الإجماليّ.

توضيح وتعقيب

والحقّ أنّ الالتزام بالتحسين والتقبيح العقليّين هو نفس الالتزام بتحسين الشارع وتقبيحه ، وفقا لحكم العقلاء ؛ لأنّه من جملتهم ، لا أنّهما شيئان أحدهما يلزم الآخر ، وإن توهّم ذلك بعضهم. (١)

ولذا ترى أكثر الأصوليّين والكلاميّين لم يجعلوهما مسألتين بعنوانين ، بل لم يعنونوا إلاّ مسألة واحدة هي مسألة «التحسين والتقبيح العقليّين».

وعليه ، فلا وجه للبحث عن ثبوت الملازمة بعد فرض القول بالتحسين والتقبيح وأمّا نحن فإنّما جعلنا الملازمة مسألة مستقلّة فللخلاف الذي وقع فيها بتوهّم التفكيك.

ومن العجيب ما عن صاحب الفصول رحمه‌الله من إنكاره للملازمة ، مع قوله بالتحسين والتقبيح العقليّين (٢) ، وكأنّه ظنّ أنّ كلّ ما أدركه العقل من المصالح والمفاسد ـ ولو بطريق نظريّ أو من غير سبب عامّ من الأسباب المتقدّمة ذكرها ـ يدخل في مسألة التحسين والتقبيح ، وأنّ القائل بالملازمة يقول بالملازمة أيضا في مثل ذلك.

ولكن نحن قلنا : إنّ قضايا التحسين والتقبيح هي القضايا التي تطابقت عليها آراء العقلاء كافّة بما هم عقلاء ، وهي بادئ رأي الجميع ، وفي مثلها نقول بالملازمة لا مطلقا. فليس كلّ ما أدركه العقل من أيّ سبب كان ـ ولو لم تتطابق عليه الآراء ، أو تطابقت ولكن لا بما هم عقلاء ـ يدخل في هذه المسألة.

وقد ذكرنا نحن سابقا (٣) : أنّ ما يدركه العقل من الحسن والقبح بسبب العادة أو الانفعال و

__________________

(١) كصاحب الفصول والشيخ الأنصاريّ. فراجع الفصول الغرويّة : ٣٣٧ ، ومطارح الأنظار : ٢٣١ ـ ٢٣٢.

(٢) الفصول الغرويّة : ٣٣٧.

(٣) تقدّم في الصفحة : ٢٣٥ ـ ٢٣٦.

نحوهما ، وما يدركه لا من سبب عامّ للجميع ، لا يدخل في موضوع مسألتنا.

ونزيد هذا بيانا وتوضيحا هنا ، فنقول :

إنّ مصالح الأحكام الشرعيّة المولويّة ـ التي هي نفسها ملاكات أحكام الشارع ـ لا تندرج تحت ضابط نحن ندركه بعقولنا ؛ إذ لا يجب فيها أن تكون هي بعينها المصالح العموميّة المبنيّ عليها حفظ النظام العامّ وإبقاء النوع التي هي ـ أعني هذه المصالح العموميّة ـ مناطات الأحكام العقليّة في مسألة التحسين والتقبيح العقليّين.

وعلى هذا ، فلا سبيل للعقل بما هو عقل إلى إدراك جميع ملاكات الأحكام الشرعيّة ، فإذا أدرك العقل المصلحة في شيء أو المفسدة في آخر ولم يكن إدراكه مستندا إلى إدراك المصلحة أو المفسدة العامّتين اللتين يتساوى في إدراكهما جميع العقلاء ؛ فإنّه ـ أعني العقل ـ لا سبيل له إلى الحكم بأنّ هذا المدرك يجب أن يحكم به الشارع على طبق حكم العقل ، إذ يتحمل أنّ هناك ما هو مناط لحكم الشارع غير ما أدركه العقل ، أو أنّ هناك مانعا يمنع من حكم الشارع على طبق ما أدركه العقل ، وإن كان ما أدركه مقتضيا لحكم الشارع.

ولأجل هذا نقول : إنّه ليس كلّ ما حكم به الشرع يجب أن يحكم به العقل ؛ وإلى هذا يرمى قول إمامنا الصادق عليه‌السلام : «إنّ دين الله لا يصاب بالعقل» (١) ؛ ولأجل هذا أيضا نحن لا نعتبر القياس والاستحسان من الأدلّة الشرعيّة على الأحكام.

وعلى هذا التقدير ، فإن كان ما أنكره صاحب الفصول والأخباريّون من الملازمة هي الملازمة في مثل تلك المدركات العقليّة التي هي ليست من المستقلاّت العقليّة التي تطابقت عليها آراء العقلاء ـ بما هم عقلاء ـ فإنّ إنكارهم في محلّه ، وهم على حقّ فيه ، لا نزاع لنا معهم فيه. ولكن هذا أمر أجنبيّ عن الملازمة المبحوث عنها في المستقلاّت العقليّة. وإن كان ما أنكروه هو مطلق الملازمة حتّى في المستقلاّت العقليّة ـ كما قد يظهر

__________________

(١) لم ينقل هذا الحديث عن الإمام الصادق عليه‌السلام في مصادر الحديث ، بل روي عنه أنّه عليه‌السلام قال : «إنّ دين الله لا يصاب بالمقائيس» أو «إنّ دين الله لا يصاب بالقياس». راجع بحار الأنوار ٢ : ٣٠٣ و ٢٦ : ٣٣.

نعم ، روي عن الإمام السجّاد عليّ بن الحسين عليهما‌السلام أنّه قال : «إنّ دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة». مستدرك الوسائل ١٧ : ٢٦٢.

من بعض تعبيراتهم (١) ـ فهم ليسوا على حقّ فيما أنكروا ، ولا مستند لهم.

وعلى هذا ، فيمكن التصالح بين الطرفين بتوجيه كلام الأخباريّين وصاحب الفصول بما يتّفق ما أوضحناه ، ولعلّه لا يأباه بعض كلامهم. (٢)

تمرينات (٣٣)

١. بيّن الأمور الأربعة المتلاحقة التي هي المبحوث عنها في المستقلاّت العقليّة.

٢. اذكر معاني الحسن والقبح تفصيلا ، وبيّن المعنى الذي هو موضوع النزاع.

٣. ما واقعيّة الحسن والقبح في معانيه؟ هل لها إزاء ومطابق في الخارج أم لا؟

٤. ما الفرق بين العقل العمليّ والعقل النظريّ؟

٥. اذكر أسباب حكم العقل العمليّ بالحسن والقبح ، وبيّن أيّها يدخل في محلّ النزاع في مسألة التحسين والتقبيح العقليّين؟

٦. ما الفرق بين الحسن والقبح الذاتيّين والحسن والقبح العرضيّين؟ مثل لكلّ منهما.

٧. ما هو رأي الأشاعرة في الحسن والقبح؟ وما هو رأي العدليّة؟

٨. ما هي أدلّة الأشاعرة؟ وما الجواب عنها؟

٩. ما هي أدلّة العدليّة؟

١٠. هل يتمكّن العقل من إدراك وجوه الحسن والقبح مستقلاّ أو لا؟

١١. إذا حكم العقل بحسن شيء أو قبحه هل يلزم عقلا أن يحكم الشرع على طبقه؟ اذكر أقوال العلماء ، وبيّن دليل ثبوت الملازمة.

١٢. لو ورد من الشارع أمر في مورد حكم العقل ، هل هذا الأمر أمر مولويّ أو أمر إرشادي؟

١٣. كيف يقع التصالح بين منكري الملازمة ومثبتيها؟

__________________

(١) كقول السيّد الأمين : «إن تمسّكنا بكلامهم عليهم‌السلام فقد عصمنا من الخطأ ، وإن تمسّكنا بغيرهم لم نعصم منه». الفوائد المدنيّة : ١٣١.

وكذلك قول المحدّث البحرانيّ «لا مدخل للعقل في شيء من الأحكام الفقهيّة من عبادات وغيرها ، ولا سبيل إليها إلاّ السماع عن المعصوم ، لقصور العقل المذكور عن الاطّلاع عليها». الحدائق الناضرة ١ : ١٣٢.

فالظاهر من هذه التعبيرات ـ بإطلاقها ـ أنّ ما أنكروه هو مطلق الملازمة.

(٢) كقول آخر للسيّد الأمين : «الأوّل في ابطال ...» ، وقول آخر له : «وأنت إذا تأملت ...». الفوائد المدنيّة : ٣ و ١٣١.