درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۷۳: ملازمات عقلیه ۳۲

 

نحوهما ، وما يدركه لا من سبب عامّ للجميع ، لا يدخل في موضوع مسألتنا.

ونزيد هذا بيانا وتوضيحا هنا ، فنقول :

إنّ مصالح الأحكام الشرعيّة المولويّة ـ التي هي نفسها ملاكات أحكام الشارع ـ لا تندرج تحت ضابط نحن ندركه بعقولنا ؛ إذ لا يجب فيها أن تكون هي بعينها المصالح العموميّة المبنيّ عليها حفظ النظام العامّ وإبقاء النوع التي هي ـ أعني هذه المصالح العموميّة ـ مناطات الأحكام العقليّة في مسألة التحسين والتقبيح العقليّين.

وعلى هذا ، فلا سبيل للعقل بما هو عقل إلى إدراك جميع ملاكات الأحكام الشرعيّة ، فإذا أدرك العقل المصلحة في شيء أو المفسدة في آخر ولم يكن إدراكه مستندا إلى إدراك المصلحة أو المفسدة العامّتين اللتين يتساوى في إدراكهما جميع العقلاء ؛ فإنّه ـ أعني العقل ـ لا سبيل له إلى الحكم بأنّ هذا المدرك يجب أن يحكم به الشارع على طبق حكم العقل ، إذ يتحمل أنّ هناك ما هو مناط لحكم الشارع غير ما أدركه العقل ، أو أنّ هناك مانعا يمنع من حكم الشارع على طبق ما أدركه العقل ، وإن كان ما أدركه مقتضيا لحكم الشارع.

ولأجل هذا نقول : إنّه ليس كلّ ما حكم به الشرع يجب أن يحكم به العقل ؛ وإلى هذا يرمى قول إمامنا الصادق عليه‌السلام : «إنّ دين الله لا يصاب بالعقل» (١) ؛ ولأجل هذا أيضا نحن لا نعتبر القياس والاستحسان من الأدلّة الشرعيّة على الأحكام.

وعلى هذا التقدير ، فإن كان ما أنكره صاحب الفصول والأخباريّون من الملازمة هي الملازمة في مثل تلك المدركات العقليّة التي هي ليست من المستقلاّت العقليّة التي تطابقت عليها آراء العقلاء ـ بما هم عقلاء ـ فإنّ إنكارهم في محلّه ، وهم على حقّ فيه ، لا نزاع لنا معهم فيه. ولكن هذا أمر أجنبيّ عن الملازمة المبحوث عنها في المستقلاّت العقليّة. وإن كان ما أنكروه هو مطلق الملازمة حتّى في المستقلاّت العقليّة ـ كما قد يظهر

__________________

(١) لم ينقل هذا الحديث عن الإمام الصادق عليه‌السلام في مصادر الحديث ، بل روي عنه أنّه عليه‌السلام قال : «إنّ دين الله لا يصاب بالمقائيس» أو «إنّ دين الله لا يصاب بالقياس». راجع بحار الأنوار ٢ : ٣٠٣ و ٢٦ : ٣٣.

نعم ، روي عن الإمام السجّاد عليّ بن الحسين عليهما‌السلام أنّه قال : «إنّ دين الله لا يصاب بالعقول الناقصة». مستدرك الوسائل ١٧ : ٢٦٢.

من بعض تعبيراتهم (١) ـ فهم ليسوا على حقّ فيما أنكروا ، ولا مستند لهم.

وعلى هذا ، فيمكن التصالح بين الطرفين بتوجيه كلام الأخباريّين وصاحب الفصول بما يتّفق ما أوضحناه ، ولعلّه لا يأباه بعض كلامهم. (٢)

تمرينات (٣٣)

١. بيّن الأمور الأربعة المتلاحقة التي هي المبحوث عنها في المستقلاّت العقليّة.

٢. اذكر معاني الحسن والقبح تفصيلا ، وبيّن المعنى الذي هو موضوع النزاع.

٣. ما واقعيّة الحسن والقبح في معانيه؟ هل لها إزاء ومطابق في الخارج أم لا؟

٤. ما الفرق بين العقل العمليّ والعقل النظريّ؟

٥. اذكر أسباب حكم العقل العمليّ بالحسن والقبح ، وبيّن أيّها يدخل في محلّ النزاع في مسألة التحسين والتقبيح العقليّين؟

٦. ما الفرق بين الحسن والقبح الذاتيّين والحسن والقبح العرضيّين؟ مثل لكلّ منهما.

٧. ما هو رأي الأشاعرة في الحسن والقبح؟ وما هو رأي العدليّة؟

٨. ما هي أدلّة الأشاعرة؟ وما الجواب عنها؟

٩. ما هي أدلّة العدليّة؟

١٠. هل يتمكّن العقل من إدراك وجوه الحسن والقبح مستقلاّ أو لا؟

١١. إذا حكم العقل بحسن شيء أو قبحه هل يلزم عقلا أن يحكم الشرع على طبقه؟ اذكر أقوال العلماء ، وبيّن دليل ثبوت الملازمة.

١٢. لو ورد من الشارع أمر في مورد حكم العقل ، هل هذا الأمر أمر مولويّ أو أمر إرشادي؟

١٣. كيف يقع التصالح بين منكري الملازمة ومثبتيها؟

__________________

(١) كقول السيّد الأمين : «إن تمسّكنا بكلامهم عليهم‌السلام فقد عصمنا من الخطأ ، وإن تمسّكنا بغيرهم لم نعصم منه». الفوائد المدنيّة : ١٣١.

وكذلك قول المحدّث البحرانيّ «لا مدخل للعقل في شيء من الأحكام الفقهيّة من عبادات وغيرها ، ولا سبيل إليها إلاّ السماع عن المعصوم ، لقصور العقل المذكور عن الاطّلاع عليها». الحدائق الناضرة ١ : ١٣٢.

فالظاهر من هذه التعبيرات ـ بإطلاقها ـ أنّ ما أنكروه هو مطلق الملازمة.

(٢) كقول آخر للسيّد الأمين : «الأوّل في ابطال ...» ، وقول آخر له : «وأنت إذا تأملت ...». الفوائد المدنيّة : ٣ و ١٣١.

الباب الثاني

غير المستقلاّت العقليّة

تمهيد

سبق أن قلنا : إنّ المراد من «غير المستقلاّت العقليّة» هو ما لم يستقلّ العقل به وحده في الوصول إلى النتيجة ، بل يستعين بحكم شرعيّ (١) في إحدى مقدّمتي القياس وهي الصغرى ، والمقدّمة الأخرى ـ وهي الكبرى ـ.

الحكم العقليّ الذي هو عبارة عن حكم العقل بالملازمة عقلا بين الحكم في المقدّمة الأولى وبين حكم شرعيّ آخر. مثاله حكم العقل بالملازمة بين وجوب ذي المقدّمة شرعا وبين وجوب المقدّمة شرعا.

وهذه الملازمة العقليّة لها عدّة موارد وقع فيها البحث وصارت موضعا للنزاع ، ونحن ذاكرون هنا أهمّ هذه المواضع في مسائل :

المسألة الأولى : الإجزاء (٢)

تصدير

لا شكّ في أنّ المكلّف إذا أتى بما أمر به مولاه على الوجه المطلوب ـ أي أتى

__________________

(١) قلنا : «يستعين بحكم شرعيّ» ولم نقل : «المقدّمة الشرعيّة» لتعميم بحث غير المستقلاّت العقليّة لمسألة الإجزاء فإنّ صغرى مسألة الإجزاء هكذا : «هذا الفعل إتيان بالمأمور به شرعا» والحكم بأنّ الفعل إتيان بالمأمور به يستعان فيه بالحكم الشرعيّ وهو الأمر المفروض ثبوته. ـ منه رحمه‌الله ـ.

(٢) الإجزاء : مصدر «أجزأ» أي أغني عنه وقام مقامه. ـ منه رحمه‌الله ـ.