درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۷۴: اجزاء ۱

 

الباب الثاني

غير المستقلاّت العقليّة

تمهيد

سبق أن قلنا : إنّ المراد من «غير المستقلاّت العقليّة» هو ما لم يستقلّ العقل به وحده في الوصول إلى النتيجة ، بل يستعين بحكم شرعيّ (١) في إحدى مقدّمتي القياس وهي الصغرى ، والمقدّمة الأخرى ـ وهي الكبرى ـ.

الحكم العقليّ الذي هو عبارة عن حكم العقل بالملازمة عقلا بين الحكم في المقدّمة الأولى وبين حكم شرعيّ آخر. مثاله حكم العقل بالملازمة بين وجوب ذي المقدّمة شرعا وبين وجوب المقدّمة شرعا.

وهذه الملازمة العقليّة لها عدّة موارد وقع فيها البحث وصارت موضعا للنزاع ، ونحن ذاكرون هنا أهمّ هذه المواضع في مسائل :

المسألة الأولى : الإجزاء (٢)

تصدير

لا شكّ في أنّ المكلّف إذا أتى بما أمر به مولاه على الوجه المطلوب ـ أي أتى

__________________

(١) قلنا : «يستعين بحكم شرعيّ» ولم نقل : «المقدّمة الشرعيّة» لتعميم بحث غير المستقلاّت العقليّة لمسألة الإجزاء فإنّ صغرى مسألة الإجزاء هكذا : «هذا الفعل إتيان بالمأمور به شرعا» والحكم بأنّ الفعل إتيان بالمأمور به يستعان فيه بالحكم الشرعيّ وهو الأمر المفروض ثبوته. ـ منه رحمه‌الله ـ.

(٢) الإجزاء : مصدر «أجزأ» أي أغني عنه وقام مقامه. ـ منه رحمه‌الله ـ.

بالمطلوب على طبق ما أمر به جامعا لجميع ما هو معتبر فيه من الأجزاء والشرائط ، شرعيّة أو عقليّة ـ فإنّ هذا الفعل منه يعتبر امتثالا لنفس ذلك الأمر ، سواء كان الأمر اختياريّا واقعيّا ، أو اضطراريّا ، أو ظاهريّا. وليس في هذا خلاف ، أو لا يمكن أن يقع فيه الخلاف.

وكذا لا شكّ ولا خلاف في أنّ هذا الامتثال على تلك الصفة يجزئ ويكتفى به عن امتثال آخر ؛ لأنّ المكلّف ـ حسب الفرض ـ قد جاء بما عليه من التكليف على الوجه المطلوب. وكفى!

وحينئذ ، يسقط الأمر الموجّه إليه ، لأنّه قد حصل بالفعل ما دعا إليه ، وانتهى أمده ، ويستحيل أن يبقى بعد حصول غرضه وما كان قد دعا إليه ؛ (١) لانتهاء أمد دعوته بحصول غايته الداعية إليه ، إلاّ إذا جوّزنا المحال ، وهو حصول المعلول بلا علّة. (٢)

__________________

(١) أي بعد حصول الداعي إلى صدور ذلك لأمر.

(٢) وإذا صحّ أن يقال شيء في هذا الباب فليس في إجزاء المأتيّ به والاكتفاء بامتثال الأمر ، فإنّ هذا قطعيّ كما قلنا في المتن ، وإنّما الذي يصحّ أن يقال ويبحث عنه ففي جواز الامتثال مرّة أخرى بدلا عن الامتثال الأوّل على وجه يلغى الامتثال الأوّل ويكتفى بالثاني. وهو خارج عن مسألة الإجزاء ، ويعبّر عنه في لسان الأصوليّين بقولهم : «تبديل الامتثال بالامتثال».

وقد يتصوّر الطالب أنّ هذا لا مانع منه عقلا ، بأن يتصوّر أنّ هناك حالة منتظرة بعد الامتثال الأوّل ، بمعنى أن نتصوّر أنّ الغرض من الأمر لم يحصل بمجرّد الامتثال الأوّل فلا يسقط عنده الأمر ، بل يبقى مجال لامتثاله ثانيا ، لا سيّما إذا كان الامتثال الثاني أفضل. ويساعد على هذا التصوير أنّه قد ورد في الشريعة ما يؤيّد ذلك بظاهره ، مثل ما ورد في باب إعادة من صلّى فرادى عند حضور الجماعة : «إن الله (تعالى) يختار أحبّهما إليه». *

والحقّ ، عدم جواز تبديل الامتثال بامتثال آخر ؛ لأنّ الإتيان بالمأمور به بحدوده وقيوده علّة تامّة لحصول الغرض ، فلا تبقى حالة منتظرة بعد الامتثال الأوّل ، فيسقط الأمر لانتهاء أمده كما قلنا في المتن. أمّا ما ورد في جواز ذلك فيحمل على استحباب الإعادة بأمر آخر ندبيّ ، وينبغي أن يحمل قوله عليه‌السلام : «يختار أحبّهما إليه» على أنّ المراد : يختار ذلك في مقام إعطاء الثواب والأجر ، لا في مقام امتثال الأمر الوجوبيّ بالصّلاة وأنّ الامتثال يقع بالثاني. ـ منه رحمه‌الله ـ.

__________________

* عن أبي بصير ، قال : قلت لأبي عبد الله عليه‌السلام : أصلّي ثمّ أدخل المسجد فتقام الصلاة ، وقد صلّيت ، فقال عليه‌السلام : «صلّ معهم ، يختار الله أحبّهما إليه». وسائل الشيعة ٥ : ٤٥٦ ، الباب ٤ من أبواب صلاة الجماعة ، الحديث ١٠.

وإنّما وقع الخلاف ـ أو يمكن أن يقع ـ في مسألة الإجزاء فيما إذا كان هناك أمران : أمر أوّليّ واقعيّ لم يمتثله المكلّف إمّا لتعذّره عليه أو لجهله به ، وأمر ثانويّ إمّا اضطراريّ في صورة تعذّر الأوّل ، وإمّا ظاهريّ في صورة الجهل بالأوّل ؛ فإنّه إذا امتثل المكلّف هذا الأمر الثانويّ الاضطراريّ أو الظاهريّ ثمّ زال العذر والاضطرار أو زال الجهل وانكشف الواقع ، صحّ الخلاف في كفاية ما أتى به امتثالا للأمر الثاني عن امتثال الأمر الأوّل ، وإجزائه عنه إعادة في الوقت وقضاء في خارجه.

ولأجل هذا عقدت هذه المسألة : «مسألة الإجزاء».

وحقيقتها هي البحث عن ثبوت الملازمة ـ عقلا ـ بين الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراريّ أو الظاهريّ ، وبين الإجزاء والاكتفاء به عن امتثال الأمر الأوّليّ الاختياريّ الواقعيّ.

وقد عبّر بعض علماء الأصول المتأخّرين عن هذه المسألة بقوله : «هل الإتيان بالمأمور به على وجهه يقتضي الإجزاء أو لا يقتضي؟» (١)

والمراد من «الاقتضاء» في كلامه الاقتضاء بمعنى العلّيّة والتأثير (٢) ، أي إنّه هل يلزم ـ عقلا ـ من الإتيان بالمأمور به سقوط التكليف شرعا أداء وقضاء؟

ومن هنا تدخل هذه المسألة في باب الملازمات العقليّة ، على ما حرّرنا البحث في صدر هذا المقصد عن المراد بالملازمة العقليّة (٣). ولا وجه لجعلها من باب مباحث الألفاظ (٤) ، لأنّ ذلك ليس من شئون الدلالة اللفظيّة.

وعلينا أن نعقد البحث في مقامين : الأوّل : في إجزاء المأمور به بالأمر الاضطراريّ. الثاني : في إجزاء المأمور به بالأمر الظاهريّ :

__________________

(١) كفاية الأصول : ١٠٤.

(٢) لا بنحو الكشف والدلالة.

(٣) وهو حكم العقل بالملازمة بين حكم الشرع وبين أمر آخر ، سواء كان حكما عقليّا أو شرعيّا أو غيرهما. راجع الصفحة ٢١٩.

(٤) كما جعلها أكثر الأصوليّين من باب مباحث الألفاظ. راجع الفصول الغرويّة ١ : ١١٦ ؛ العدّة ١ : ٢١٢ ، مناهج الأحكام والأصول : ٦٦ ؛ كفاية الأصول : ١٠٤.