درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۷۵: اجزاء ۲

 

المقام الأوّل : الأمر الاضطراريّ

وردت في الشريعة المطهّرة أوامر لا تحصى تختصّ بحال الضرورات وتعذّر امتثال الأوامر الأوّليّة أو بحال الحرج في امتثالها ، مثل التيمّم ، ووضوء الجبيرة وغسلها ، وصلاة العاجز عن القيام أو القعود ، وصلاة الغريق.

ولا شكّ في أنّ الاضطرار ترتفع به فعليّة التكليف ؛ لأنّ الله (تعالى) لا يكلّف نفسا إلاّ وسعها. وقد ورد في الحديث النبويّ صلى‌الله‌عليه‌وآله المشهور الصحيح : «رفع عن أمّتي ما اضطرّوا إليه» (١).

غير أنّ الشارع المقدّس ـ حرصا على بعض العبادات لا سيّما الصّلاة التي لا تترك بحال (٢) ـ أمر عباده بالاستعاضة عمّا اضطرّوا إلى تركه بالإتيان ببدل عنه ، فأمر ـ مثلا ـ بالتيمّم بدلا عن الوضوء أو الغسل ، وقد جاء في الحديث : «يكفيك عشر سنين». (٣) وأمر بالمسح على الجبيرة بدلا عن غسل بشرة العضو في الوضوء والغسل (٤). وأمر بالصّلاة من جلوس بدلا عن الصّلاة من قيام ... (٥) وهكذا فيما لا يحصى من الأوامر الواردة في حال اضطرار المكلّف وعجزه عن امتثال الأمر الأوّليّ الاختياريّ ، أو في حال الحرج في امتثاله.

ولا شكّ في أنّ هذه الأوامر الاضطراريّة هي أوامر واقعيّة حقيقيّة ذات مصالح ملزمة ، كالأوامر الأوّليّة ، وقد تسمّى «الأوامر الثانويّة» تنبيها على أنّها واردة لحالات طارئة ثانويّة على المكلّف ، وإذا امتثلها المكلّف أدّى ما عليه في هذا الحال ، وسقط عنه التكليف بها.

__________________

(١) عن أبي عبد الله عليه‌السلام ، قال : قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله : «رفع عن أمّتي تسعة : الخطأ والنسيان ، وما أكرهوا عليه ، وما لا يعلمون ، وما لا يطيقون ، وما اضطرّوا إليه و ...». الخصال ٢ : ٤١٧ ، التوحيد : ٣٥٣.

(٢) كما في الوسائل ٩ : ٢٧ ، الباب ١٩ من أبواب الإحرام ، الحديث ١.

(٣) قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله لأبي ذرّ : «يا أبا ذرّ يكفيك الصعيد عشر سنين». الوسائل ٢ : ٩٨٤ ، الباب ١٤ من أبواب التيمم ، الحديث ١٢.

(٤) الوسائل ١ : ٣٢٦ ـ ٣٢٨ ، الباب ٣٩ من أبواب الوضوء.

(٥) الوسائل ٤ : ٦٨٩ ، الباب ١ من أبواب القيام ، الحديث ١ ، ٢ ، ٨ ، ١٣ ، ١٨.

ولكن يقع البحث والتساؤل فيما لو ارتفعت تلك الحالة الاضطراريّة الثانويّة ورجع المكلّف إلى حالته الأولى من التمكّن من أداء ما كان عليه واجبا في حالة الاختيار ، فهل يجزئه ما كان قد أتى به في حال الاضطرار ، أو لا يجزئه ، بل لا بدّ له من إعادة الفعل في الوقت أداء إذا كان ارتفاع الاضطرار قبل انتهاء وقت الفعل وكنّا قلنا بجواز البدار ، (١) أو إعادته خارج الوقت قضاء إذا كان ارتفاع الاضطرار بعد الوقت؟

إنّ هذا أمر يصحّ فيه الشكّ والتساؤل ، وإن كان المعروف بين الفقهاء في فتاويهم القول بالإجزاء مطلقا أداء وقضاء. (٢)

غير أنّ إطباقهم على القول بالإجزاء ليس مستندا إلى دعوى أنّ البديهيّة العقليّة تقضي به ؛ لأنّه هنا يمكن تصوّر عدم الإجزاء بلا محذور عقليّ ، أعني يمكننا أن نتصوّر عدم الملازمة بين الإتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراريّ وبين الإجزاء به عن الأمر الواقعيّ الاختياريّ.

توضيح ذلك أنّه لا إشكال في أنّ المأتيّ به في حال الاضطرار أنقص من المأمور به حال الاختيار ، والقول بالإجزاء فيه معناه كفاية الناقص عن الكامل مع فرض حصول التمكّن من أداء الكامل في الوقت أو خارجه. ولا شكّ في أنّ العقل لا يرى بأسا بالأمر بالفعل ثانيا بعد زوال الضرورة ؛ تحصيلا للكامل الذي قد فات منه ؛ بل قد يلزم العقل بذلك إذا كان في الكامل مصلحة ملزمة لا يفي بها الناقص ولا يسدّ مسدّ الكامل في تحصيلها.

والمقصود الذي نريد أن نقوله بصريح العبارة «أنّ الإتيان بالناقص بالنظرة الأولى ممّا [لا] يقتضي عقلا الإجزاء عن الكامل».

فلا بدّ أن يكون ذهاب الفقهاء إلى الإجزاء لسرّ هناك : إمّا لوجود ملازمة بين الإتيان بالناقص وبين الإجزاء عن الكامل ، وإمّا لغير ذلك من الأسباب ، فيجب أن نتبيّن ذلك ، فنقول : هناك وجوه أربعة يصلح أن يكون كلّها أو بعضها مستندا للقول بالإجزاء

__________________

(١) لأنّه إذا لم يجز البدار ، فإن ابتدر فعمله باطل فكيف يجزئ؟! وإن لم يبتدر فلا يبقى مجال لزوال العذر في الوقت حتّى يتصوّر الأداء. ـ منه رحمه‌الله ـ.

(٢) انظر جواهر الكلام ٥ : ٢٢٣ ـ ٢٢٥.