درس اصول الفقه (۱) مباحث الفاظ وملازمات عقلیه

جلسه ۱۷۹: اجزاء ۶

 

يتدارك بها ما فات من مصلحة الواقع ، وإن لم تحدث مصلحة في نفس الفعل الذي أدّت الأمارة إلى وجوبه (١) ـ فهذا قول لبعض الإماميّة (٢) ؛ لتصحيح جعل الطرق والأمارات في فرض التمكّن من تحصيل العلم ، على ما سيأتي بيانه في محلّه إن شاء الله (تعالى). (٣)

ولكنّه ـ على تقدير صحّة هذا القول ـ لا يقتضي الإجزاء أيضا ؛ لأنّه على فرضه تبقى مصلحة الواقع على ما هي عليه عند انكشاف خطأ الأمارة في الوقت أو في خارجه.

توضيح ذلك أنّ المصلحة السلوكيّة المدّعاة هي مصلحة تدارك الواقع باعتبار أنّ الشارع لمّا جعل الأمارة في حال تمكّن المكلّف من تحصيل العلم بالواقع ؛ فإنّه قد فوّت عليه الواقع ، فلا بدّ من فرض تداركه بمصلحة تكون في نفس اتّباع الأمارة ، واللازم من المصلحة التي يتدارك بها الواقع أن تقدّر بقدر ما فات من الواقع من مصلحة لا أكثر. وعند انكشاف الخطأ في الوقت لم يفت من مصلحة الواقع إلاّ مصلحة فضيلة أوّل الوقت ، وعند انكشاف الخطأ في خارج الوقت لم تفت إلاّ مصلحة الوقت. أمّا مصلحة أصل الفعل فلم تفت من المكلّف ؛ لإمكان تحصيلها بعد الانكشاف ، فما هو الملزم للقول بحصول مصلحة يتدارك بها أصل مصلحة الفعل حتّى يلزم الإجزاء؟!

وأمّا في «الموضوعات» (٤) : فالظاهر أنّ المعروف عندهم أنّ الأمارة فيها قد أخذت على نحو «الطريقية» (٥) ، كقاعدة اليد ، والصحّة ، وسوق المسلمين ، ونحوها ، فإن أصابت الواقع فذاك ، وإن أخطأت فالواقع على حاله ، ولا تحدث بسببها مصلحة يتدارك بها مصلحة

__________________

(١) توضيح ذلك : أنّ قيام الأمارة سبب لإحداث مصلحة في السلوك على وفقها غير مصلحة الواقع ، بل الواقع باق على ما كان عليه ، وبالعمل على طبق الأمارة تحصل مصلحة السلوك وتفوت مصلحة الواقع ، فبمصلحة السلوك يتدارك مصلحة الفائتة من الواقع من دون تغيّر الواجب الواقعيّ.

(٢) هذا ما ذهب إليه الشيخ الأنصاريّ وحمل عليه كلام الشيخ الطوسي في العدّة والعلاّمة في النهاية. راجع ، فرائد الأصول ١ : ٤١ ـ ٤٢.

(٣) يأتي في مقدّمة المقصد الثالث ، المبحث ١٤ «المصلحة السلوكيّة».

(٤) كما إذا قامت البيّنة على نجاسة الماء ، فصلّى مع التيمّم ، ثمّ انكشف مخالفة البيّنة للواقع وأنّ الماء كان طاهرا.

(٥) كفاية الأصول : ١١١ ، فوائد الأصول ١ : ٢٤٨ ، نهاية الدراية ١ : ٢٧٨.

الواقع ، غاية الأمر أنّ المكلّف معها معذور عند الخطأ وشأنها في ذلك شأن الأمارة في الأحكام.

والسرّ في حملها على «الطريقيّة» ، هو أنّ الدليل الذي دلّ على حجّيّة الأمارة في الأحكام هو نفسه دلّ على حجّيّتها في الموضوعات بلسان واحد في الجميع ، لا أنّ القول بالموضوعيّة هنا يقتضي محذور التصويب المجمع على بطلانه عند الإماميّة ، كالأمارة في الأحكام. (١)

وعليه ، فالأمارة في الموضوعات أيضا لا تقتضي الإجزاء بلا فرق بينها وبين الأمارة في الأحكام.

٢. الإجزاء في الأصول مع انكشاف الخطأ يقينا

لا شكّ في أنّ العمل بالأصل إنّما يصحّ إذا فقد المكلّف الدليل الاجتهاديّ على الحكم. فيرجع إليه باعتبار أنّه وظيفة للجاهل لا بدّ منها للخروج من الحيرة.

فالأصل ـ في حقيقته ـ وظيفة للجاهل الشاكّ ينتهي إليه في مقام العمل ؛ إذ لا سبيل له غير ذلك لرفع الحيرة ، وعلاج حالة الشكّ.

ثمّ إنّ الأصل على قسمين :

١. أصل عقليّ : والمراد منه ما يحكم به العقل ، ولا يتضمّن جعل حكم ظاهريّ من الشارع ، كالاحتياط ، وقاعدة التخيير ، والبراءة العقليّة التي مرجعها إلى حكم العقل بنفي العقاب بلا بيان ، فهي لا مضمون لها إلاّ رفع العقاب ، لا جعل حكم بالإباحة من الشارع.

٢. أصل شرعيّ : وهو المجعول من الشارع في مقام الشكّ والحيرة ، فيتضمّن جعل حكم ظاهريّ ، كالاستصحاب والبراءة الشرعيّة التي مرجعها إلى حكم الشارع بالإباحة ، ومثلها أصالة الطهارة والحلّيّة.

إذا عرفت ذلك فنقول :

أوّلا : إنّ بحث الإجزاء لا يتصوّر في قاعدة الاحتياط مطلقا ، سواء كانت عقليّة أو

__________________

(١) هكذا قال المحقّق النائينيّ على ما في أجود التقريرات ١ : ٣٠٠.